تزداد رقعة الانفتاح الإلكتروني بطريقة لافتة، حتى أضحت واحدة من فرضيات العمل عن بعد بشكل ضروري وعاجل، وفي قطاع غزة على وجه التخصيص فإن حالة الأوضاع الاقتصادية متعطشة للعمالة والتشغيل، لذا يلجأ الشباب الفلسطيني لنوافذ العمل الإلكتروني خارج نطاق حدود الوطن، مع تحفظ الأخير على تذبذب حالة الثقة وبينه وبين وصاحب العمل.
ومع هذا الاتساع، فإن عدداً من الظواهر الإلكترونية والمالية قد طفت على سطح المعاملات التجارية "الوهمية"، لأسباب تعود لشيوعها بين مئات من الناس وأسباب أخرى لها علاقة بعدم الاستقرار الحقيقي لتلك المعاملات.
"الرأي" أمسكت بقرار حظر وزارة الاقتصاد للمعاملات التجارية "الصورية" وأبرزها "التسويق الشبكي"، والذي يطلق على نموذج عمل غير مستقر قد يبدو قانوني في البداية، هدفه جمع المال من أكبر عدد من المشتركين، بينما يكون المستفيد الأكبر هو المتربع على رأس الهرم.
ويشكّل المجندون الجدد في التسويق الهرمي قاعدة الهرم، حيث يقدمون التمويل على شكل نفقات مالية جديدة للمستثمرين الأوائل الذين ينظّموا فوقهم في المخطط الهرمي، نظير إعطائهم خدمات أو ربح رمزي إذا ما استطاعوا اقناع الآخرين بالاشتراك بعدهم.
وبينما يستخدم "المحتال" بعض الأموال التي جمعت لسداد حصص المشاركين "الأوائل"، فإنه يحتفظ بمعظم الأموال لنفسه، لكن في حال عدم العثور على عدد كاف من المشاركين الجدد، فسيتعطل النظام وينهار مخلفاً وراءه ضحايا بالآلاف والمفتاح لجعل النظام يعمل هو تقديم فكرة يشتريها الناس.
شكل الهرم
وزارة الاقتصاد أوضحت شكل هذه التجارة بضرب الأمثلة، وقالت لنفترض إن شخصاً ما "المحتال" أقنع (5) أشخاص لدفع 1000$ من أجل الدخول في النظام عبر شراء خدمة أو منتج ما نظير مضاعفة أموالهم خلال 3 شهور، ثم أقنع هؤلاء "5" أخرين لدخولهم النظام، ليكونوا الطبقة الثانية في المخطط الهرمي، عقب انتهاء مدة الاستثمار سيخير "المحتال" المستثمرين ال"5" الأوائل، إما بالحصول على أموالهم بالإضافة للأرباح "سيمولها من الأموال التي يدفعها الأشخاص في الطبقة الثانية"، وأما الاستمرار بالاستثمار و هنا لن يقبلوا بالاستثمار فقط؛ بل سيدعون أصدقائهم واقربائهم للاستثمار أيضاً، الأمر الذي من شأنه أن يوسع قاعدة وطبقات الهرم ويزيد من عمر العملية أيضاً.
وهكذا طالما أن هناك ثقة تامة في قدرات المحتال على السداد في الوقت المطلوب منه سوف يزداد عدد عملائه بشكل استثنائي، وعليه يعمل النظام بكفاءة، حيث كلما تكونت طبقة جديدة استخدم المحتال أموالها لإعطاء المستثمرين السابقين أموالهم، وبطبيعة الحال يأخذ الفائض لنفسه.
لكن في اللحظة التي يتوقف فيها قدوم عملاء "ضحايا" جدد أو بسبب ظروف اقتصادية كارثية، ستتوقف العملية وتنهار معها طبقات النظام الهرمي بشكل مدوي وبسرعة مهولة، مخلفاً وراءه مفلسين بالآلاف.
خطرٌ مخيف
مدير عام وحدة الشؤون القانونية بوزارة الاقتصاد الفلسطيني يعقوب الغندور، قال إن الخطر كان محدقاً بحالة الاقتصاد الفلسطيني ما إن بقي المواطن الفلسطيني بلا وعي ودراية بخصوص أمواله التي يدفعها في طريق مجهول، مشيراً إلى انحصار ظاهرة التسويق الشبكي بعد حظر التعامل به بين جموع المواطنين.
وأكد الغندور على أن الاقتصاد الفلسطيني أول من يتأذى من هذه الظواهر المالية الإلكترونية "الصورية"، بحيث يضخ المواطنين أموالهم في محافظ إلكترونية مفتوحة بهدف التجارة وتحقيق الأرباح، وتُسحب هذه الأموال لصالح مجموعات "النصب" بالخارج، ويحصل صاحب المال على فتات من أمواله التي في اعتقاده أنها تزداد وتربح مع مرور الوقت.
وشدد على أن مثل هذه العمليات من التجارات الوهمية، تهدد استقرار عملة "الدولار" وتوفرها، والتي يتم على أساسها بناء هرم التجاري وضخ آلاف الدولارات خارج صندوق دائرة الاقتصاد الوطني الفلسطيني.
وفق حديث الغندور لوكالة "الرأي" فإن التجارة الشبكية في غزة تجري بين مجموعات تتحلى علاقاتهم الاجتماعية والعائلية بالثقة الكبيرة، الأمر الذي يدفع هذه المجموعات للمغامرة بأموالهم بما لا يقل عن 1500 دولار، ما يسبب حالة من الانتكاسة العائلية الجماعية، وبذلك ويتردد الأفراد بتقديم شكاوى بحق أصدقائهم وأقاربهم وإفشاء أمر الاحتيال الذي وقعوا في شباكه.
النيابة الاقتصادية تتوكل بقضايا التجارة الإلكترونية، ويتم تحويل قضايا المشتكين إليها بحيث تحاسب المتهمين بالنصب والاحتيال بشكل قانوني مثبت، ولكن رأس الهرم يكون قبل اكتشاف خيوط جريمة الاحتيال قد فر هارباً خارج القطاع ما يجمد عملية المحاسبة بحسب الغندور.
وزارة الاقتصاد كانت قد أصدرت قراراً يمنع المواطنين الشراء أو التداول أو الإعلان والترويج لأي سلعة أو منتج أو خدمة، من خلال التسويق الشبكي أو الهرمي بأي وسيلة إلكترونية وغير إلكترونية، حيث جاء القرار بعد تزايد حالات النصب والاحتيال، التي تتم في عمليات البيع والشراء عن طريق التسويق الشبكي أو الهرمي.
ويعتبر التسويق الشبكي أو الهرمي، نشاطا خفيا يتم في محيط خاص بين المشتركين فيه، ويتم التوسع فيه في الدائرة القريبة المحيطة بالمشترك، وهذا النظام لا يعد ضمن الأنشطة الاقتصادية المصرح بمزاولتها في قطاع غزة.
وكان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، قد أصدر حكماً بحرمة هذه المعاملات القائمة على فكرة التسوق الشبكي بالصورة السابقة، لبنائها على الغرر والغش والخداع، ولعدم اشتمالها على نفع يعود على المجتمع، حيث إن المنتجات المعروضة لا يقصد تسويقها لذاتها، ولكنها موجودة كنوع من الإغراء، ناهيك عن أن معاملات هذه الشركات لا تتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية.

