ترقد الأربعينية هالة النونو "مريضة بالسرطان" منذ ثلاثة أشهر على أسرة المرض، لانتظارها بلا بارقة أمل لتحويلة للعلاج في مشافي الأراضي المحتلة، ولكنها تقابل بالرد القاسي بأنها "ممنوعة أمنياً"، وهذه التهمة يلصقها الاحتلال لمعظم مرضى القطاع تحت ذرائع أمنية لا أصل لها من المصداقية.
تقول المريضة النونو خلال حديثها لوكالة الرأي" إنها تعاني من "قنصة سرطانية" في ظهرها والرئتين والكبد، مع تفشي هذا الخبيث في أجزاء متفرقة من جسدها كلما طال عليها الانتظار بلا إجابة واضحة تعينها على تحمل المزيد من التمدد على أسرة المشافي.
النونو يمنعها المرض من الجلوس وإسناد جسدها نظراً لإصابتها في ظهرها، وتقول إن علاجها ينحصر في دخولها لمشافي الداخل المحتل، ولكن الاحتلال يتمعن في عقابها ومنحها صكوكا من المنع المتواصلة، مناشدة الجهات المعنية بتسهيل مهمة علاجها بأقصى سرعة ممكنة.
ويكابد مرضى السرطان في قطاع غزة مشاق ظروف بالغة القسوة حيث باتت الأخطار تتزايد، والموانع تتعاظم أمام حصولهم على الرعاية الصحية المناسبة للنجاة من المرض، كما تشكل القيود المشددة التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على حرية الحركة والتنقل للمرضى في قطاع غزة أحد أبرز الانتهاكات المنظمة التي تهدد حياة المرضى وتحرمهم من الوصول إلى العلاج.
المنع من العلاج في مشافي الأراضي المحتلة وتعسر السفر للعلاج بالخارج واشتداد حلقات الحصار على قطاع الصحة ومرضى السرطان على وجه الخصوص، هي أكثر العقبات التي تزيد الخناق الملتف حول رقاب المرضى بغزة، ما يرفع حصيلة الوفيات ويزيد من ظاهرة المعاناة الموثقة بملفات متراكمة بأسماء وحالات وأوضاع المرضى.
"لا نضيف جديداً إذا تحدثنا عن معاناة مرضى السرطان في كل مكان، لكن الأمر يختلف في قطاع غزة؛ فمعاناة ضحايا هذا المرض مختلفة نظرا للظروف الخاصة التي يمر بها القطاع من حصار ونقص للأدوية التي يحتاجها المرضى"، هذا ما ورد على لسان وزارة الصحة بخصوص المرضى.
"لا نريد أن نسافر"
المدير الطبي لمستشفى الصداقة التركي في غزة الطبيب محمد أبو ندى يقول لوكالة "الرأي" إن مريض السرطان يعاني الأمرين، يعاني أولا من مشكلة في التشخيص، حيث ينقص أجهزة التشخيص وفحوصات الوراثة، وينقص أدوية علاج الكيماوي بنسبة 50%، ما يضطر المريض إلى السفر للعلاج بالخارج، كما يؤدي إلى تفشي المريض في أنحاء جسم المريض. منوهاً إلى خطورة نقص الأدوية والبروتوكولات العلاجية لمرضى السرطان والذي يعتبر مؤشر خطير أمام فرص التشافي.
ويضيف الطبيب أبو ندى: "لا نريد أن نسافر، ولكن نريد أجهزة تمكن الأطباء من تشخيص الحالات الصعبة بالعلاج الاشعاعي في قطاع غزة"، مؤكداً أن وزارة الصحة بذلت في الأعوام الماضية وخلال أزمة مرض فيروس كورونا "كوفيد-19"، جهودا كبيرة مع الأطراف كافة للتخفيف من معاناة مرضى السرطان ولكن هذه المساعي سرعان ما اصطدمت بقيود الحصار الإسرائيلي على غزة وتبعاته.
"الخطورة ألقت بحمل ثقيل على المرضى، لتنتهي بوفاة العديد منهم إما بسبب نقص الخدمات العلاجية في مستشفيات غزة أو بسبب القيود غير المبررة التي تفرضها السلطات الإسرائيلية أمام حركة المرضى الذين يحتاجون العلاج في المراكز التخصصية في الضفة الغربية والقدس والداخل"، يقول أبو ندى.
وأشار الطبيب أبو ندى إلى أن وزارة الصحة هي المقدم الوحيد لرعاية مرضى الدم والأورام في غزة، وتواجه تحديات جسيمة في تقديم الخدمات الصحية لمرضى السرطان من نقص الأدوية والمستهلكات الطبية والتجهيزات الطبية المطلوبة.
وأوضح أبو ندى، أن ما بين 50 إلى 60 % من مرضى السرطان في غزة يحتاجون للسفر من أجل العلاج في مراكز تخصصية خارج القطاع للحصول على العلاج الإشعاعي والمسح الذري والعلاجات الكيماوية التي لا تتوفر في مستشفيات غزة.
تضييق ومنع
وزارة الصحة كشفت عن تزايد عدد مرضى السرطان في قطاع غزة ليصل إلى 12,600 مريض، 53% منهم إناث و47 % ذكور، مؤكدةً خطورة واقعهم الإنساني والصحي الذي بات يهدد حقوقهم العلاجية مع استمرار نقص الدواء ومهامهم الطبية.
ومع تزامن اليوم العالمي لمرضى السرطان، تتعالى أنات المرضى في قطاع غزة، وتتضاعف معاناتهم في ظل القيود المشددة التي يفرضها الاحتلال على حرية الحركة والتنقل خارج القطاع، وتعنته في منحهم تصاريح للعلاج في الخارج، ومع عدم توفر العلاج الكيماوي الكافي في القطاع يصبح السفر هو أملهم الوحيد لتلقي العلاج.
الأمر الذي يزيد من تفاقم الأزمة الصحية عدم توفر العلاج الإشعاعي أو المسح الذري وبعض العلاجات الكيماوية في مستشفيات غزة، فيما منعت القيود والإجراءات "الإسرائيلية" المشدّدة المفروضة 60% من المرضى من الوصول إلى المستشفيات التخصّصية.
ويفرض الاحتلال قيوداً على سفر المرضى المصابين بالسرطان، إذ لا يسمح لجميع الحالات بالسفر والوصول إلى المستشفيات في الضفة الغربية والقدس المحتلة أو المستشفيات في الأراضي المحتلة عام 1948، تحت ذرائع أمنية واهية.
وبحسب إحصائية وزارة الصحة في غزة، فإنّ منع السفر والتأخّر في تنفيذ البروتوكولات العلاجية الخاصة بمرضى السرطان، أدى إلى وفاة 3000 مريض خلال السنوات الخمس الماضية، من بينها حالات كانت قابلة للعلاج والتعافي من المرض كلياً.
وتقول مراكز حقوقية تنشط في القطاع، إن المعاناة النفسية والجسدية لمرضى السرطان في قطاع غزة تتضاعف نتيجة الضعف في الإمكانيات، والنقص الدائم في المعدات والأجهزة التشخيصية والعقاقير والأدوية ومدخلات تشغيل المعدات الطبية والأجهزة العلاجية.

