على أحر من الجمر، انتظرت أسرة وعائلة الأسير المحرر أحمد الزهار عودته إلى قطاع غزة بعد اعتقال دام 20 عاما خلف قضبان الأسر، إلّا أن الاحتلال أطلق رصاصة الرحمة على فرحة وتلهف العائلة للقائه حينما جاء اتصال على هاتف شقيقه أخبره بإبعاده للضفة الغربية المحتلة.
هي حريّة، ولكن دون أهل، يلوّحون لكَ عند اقتراب الحافلة التي تُقلّك عائداً من الأسر، ولا حضناً يضمّكَ، ولا اشتياقاً عطِشاً يرتوي بوجوهٍ طال انتظار رؤياها، حتى حلمه بالحرية، الذي عاشه 20عاماً، ها هو اليوم يُلملمه بعدما هشّمه الإبعاد الذي هو غربة أخرى وسجن آخر للأسير.
أبعد الاحتلال الأسير المحرر أحمد رزق الزهار إلى الضفة الغربية في منتصف فبراير لعام 2023 بعد انقضاء محكوميته في سجون الاحتلال الإسرائيلي 20 عاماً، علماً أن عائلته من سكان قطاع غزة، ولكي تعرف أكثر عنه، ولد في الإمارات عام 1981 وانتقل إلى غزة وقضى فيها عاما ونصف العام قبل اعتقاله.
" تمنيت أكون معكم والله مشتاق للجَمعة واللمات الحلوة ، إن شاء الله قريباً يكون اللقاء "أولى كلمات الأسير المحرر أحمد رزق الزهار لعائلته بعد خروجه من السجن، خرج و قلبه يعتصر ألماً وامتزجت فرحة حريته بغصة الفقد والإبعاد.
تغيير عنوان الإقامة
اعتقل الاحتلال الأسير أحمد في 10 شباط/ فبراير عام 2003 بالقرب من المستوطنة، التي كانت تسمى حينها “نتساريم”، وكانت مقامة على أرض قطاع غزة قبل تحريرها من المستوطنين، في حين أصيب شقيقه "محمد" في قصف إسرائيلي استهدفه في عدوان 2014 أدى لفقدانه عينه اليسرى وإصابته بحروق شديدة، واستشهد شقيقه "محمود" في عدوان عام 2012، الذي لم يزره حيا أو ميتا.
أصدر الاحتلال حكما بحق الزهار بالسجن لمدة عشرين عاماً ليفرج عنه خلال شهر فبراير لعام 2023 على حاجز قرب الخليل بقصد إبعاده عن قطاع غزة وحرمانه من فرحة لقاء الأهل والأحبة.
كما أن الأسير الزهار قبيل اعتقاله غيّر عنوان اقامته في الهوية إلى رام الله بدلا من غزة، ومفروز على مرتبات الشرطة الفلسطينية في مدينة رام الله.
وجد المحرر الزهار نفسه وحيدًا بعيدا عن عائلته وهواء وتراب غزة، يعيش غربة تحت السماء ذاتها وفي البقعة الجغرافية نفسها من أرض فلسطين التي قسمها الاحتلال.
لكن لم تبخل عائلة الأسير المؤبد محمد عبد الباسط الحروب من الخليل في استقباله، وهذا ليس غريبا على أهل الخليل، ففتحت لها أبواب بيتها.
يحكي لنا والد الأسير الحروب: "راقبت أحمد في صباح حريته الأول عند خروجه إلى شرفة منزلنا، ناظراً باستغراب إلى جبال وسماء الخليل راجعاً بذاكرته الي الأعوام التي سرقتها جدران سجون الاحتلال الإسرائيلي".
روتين الأسر
ينفث المحرر الزهار غبار السجن عن قلبه، ويقول: "من الصعب التخلص من تجربة الأسر في فترات بسيطة، إذ ما زال يشعر بأنه داخل المعتقل، وقد اعتقل وسنّه 20 سنة وأُفرج عنه وهو في سن 40.
يدخل إلى السجن مرة أخرى ولكن من بوابة ذكريات يتمنى لو باستطاعته ابتلاع أقراص نسيان لمحوها من الذاكرة: "اعتدت على روتين معين واختلافه خارج الأسر خلق لدي حالة من التناقض والاستغراب من الوضع، وما زلت استيقظ على موعد العدد الصباحي، واستذكر فترات دق الشبابيك المزعجة، التي يمارسها السجّانون دون مبرر".
"كنا نستيقظ لنمارس الرياضة لمدة ساعة ونقضي وقتنا في قراءة أو في مشاهدة القنوات الفضائية، عشت داخل الأسر مع شبان وتعودنا على نظام حياة منضبط وقاسٍ من ناحية الاستيقاظ من النوم وتناول الطعام وممارسة الرياضة".
وتمكن المحرر الزهار من إكمال دراسة البكالوريوس والماجستير أثناء فترة اعتقاله، حيث اختار تخصص (الخدمة الاجتماعية، التاريخ) في جامعة القدس.
مسيرة طويلة من المعاناة خلال الدراسة تجثم على صوته إذ يقول: "الدراسة كانت قاسية للغاية، وصعبة جدا، فالطالب في الأسر يكتب للجامعة أبحاثا ورسائلا من عشرات الصفحات بالخط اليدوي على ورقة، ويضطر لكتابة نسخة احتياطية مخافة ضياع الأولى، ويرسلها إلى الجامعة فلا تصل، فيضطر إلى كتابتها من جديد، وكان ذلك عبئا هائلا".
محطات صعبة
كانت النقطة الأصعب عندما تم الإعلان عن صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011، التي تحرر فيها 1033 أسيرًا وأسيرة، منهم 50 أسيرًا من القسم الذي يتواجد فيه وتبلغ أعدادهم 120 أسيرا بسجون رامون، من غرفته تحرر خمسة أسرى وبقي أسيران يؤنسان وحدته.
لم يفارق ذاكرته لحظة تلقيه خبر استشهاد أخيه محمود، فبدأ يستذكر مواقفه وحياته مع أخيه واستقبل الخبر صابراً محتسباً، فمن أقسى اللحظات التي يمكن أن تسجل في تاريخ حياة أي شخص هي فقد عزيز، وتزداد صعوبة إن لم يكن قريبا منه لحظة الوداع، ولكنها الأصعب والأكثر قهراً إن كان الفاقد أسيرا في سجون الاحتلال.
الأسرى لا يعدّون تلك الأيام كأرقام فحسب، مثلما يعدها لهم من ينتظرهم بالخارج، فالأيام والأعوام التي يقضيها الأسير، مثقلة بالتفاصيل، وربما يكون أصعبها وأكثرها تكثيفاً، الليلة الأخيرة: "بعد وصولي خبر احتمالية ابعادي إلى الضفة الغربية بما تحمله من مشاعر متناقضة؛ لقاء يغلق باب الوداع، وفرحة يحُدها الحزن، وخوف من مواجهة المجهول والتي تستوعب بها كيف مر 20 عاماً من عمرك وبين جدران السجون".
مشهد الوداع يتحول لنافذة يطل عليها: "لم يمر شهر واحد دون وداع الرفاق في الأسر، ولا أتذكر أن السجن لم يودع أو يستقبل، إلى أن جاءت حفلة وداعي، فلم أكن على استعداد نفسي للقاء التغيرات التي طرأت خارج الأسر، كنتُ على قلق وخوف وحزن".
بعيدًا عن عائلته، وحارته التي تركها شابًا صغيرًا، يحاول الهاتف تعويضه عن جزء مما فقده، فلم يطفئ عنه لهفة اللقاء ولم تنته وحدته بعد، تدوي صرخته من أعماق القهر: "أريد انهاء إبعادي وأن أعود إلى أحضان عائلتي في القطاع المحاصر".

