تشغل المرأة الفلسطينية منصب ربة منزل وقبطان سفينته المبحرة بظروف متقلبة وسط بقعة جغرافية صغيرة لا تنعم باستقرار اقتصادي، بينما تختار أن تخرج إلى معارك لا تراها سهلة لكنها تجد أنها واجبة، تقتنص فرص التحدي فتجدها تمارس مهامها حتى يتحقق مبتغاها بحيازة أولى الدرجات في مقدمة صفوف النجاح والتميّز.
يصادف الثامن من آذار من كل عام يوم المرأة العالمي، وتتميز فيه المرأة الفلسطينية بإنجازاتها التي لا تنحصر في مجال على حساب آخر، فمارست وعملت في مجالات الحياة المختلفة بهدف الارتقاء بنفسها وتوظيف مهاراتها التي تمتلكها رغماً عن ظروف حياتية لا تنفك عن الواقع الصعب الذي يعايشه كل فلسطيني.
الصحفية رجاء عايش "خمسة وعشرين عاماً" أثبتت لنفسها أنها قادرة على تجاوز عقبات الظروف، بعد فوزها بجوائز عالمية خارج حدود وطنها المحاصر، ولم يثنيها شغفها في الحصول على المراكز الأولى في مجال الأفلام القصيرة كونها أماً لطفلين صغيرين.
تحدثت "عايش" لـ"الرأي" بعدما كانت آخر الجوائز التي حصلت عليها هي المركز الأول في مجال الأفلام القصيرة في مسابقة الصحفية شرين أبو عاقلة التي أعلن عنها المكتب الإعلامي الحكومي، "آمنت بنفسي ودرست تخصص الترجمة بعدما أتقنت مهارات الصحافة مذ كنت صغيرة في نادي الصحفي الصغير، وكان نجاحي ثمرة جهد طويل بذلته بنفسي ووصلت إليه بنفسي كذلك"، تقول عايش.
جل الجوائز التي حصلت عليها الصحفية رجاء كانت عالمية واحتلت المراكز الأولى توزعت بين الدول العربية تونس والمغرب ولبنان في مجال الأفلام القصيرة، والتي حملت خلالها مهمة الإخراج والكتابة، ولكنها حملت عتباً على المؤسسات الفلسطينية الإعلامية والتي تحول بينها وبين حصولها على فرصة عمل مستقرة تنعم بها بعد تألقها عالمياً ومحلياً.
الصحفية عايش تتقن فن الإخراج بكل خطواته الأساسية والمتقدمة، وتتقن فن كتابة السيناريو باللغتين العربية والانجليزية، الأمر الذي ساعدها على إتمام أحلامها برفقة زوجها مصور الفيديو، ولم تقف العقبات في طريقها سوى لنقلها إلى صفوف متقدمة من التميّز.
الوحيدة بين الرجال
ولا يقف نجاح المرأة الفلسطينية إلى حد معين فقد يتجاوز أفق التوقعات الذي يحدده واقع الفلسطيني ذاته، فقد تألقت الصحفية المصورة والأم الفلسطينية سمر أبو العوف "خمسة وثلاثين عاماً" في مجالها خلال مسيرتها الصحفية في تغطية الأحداث على طول نقاط التماس وفي أحلك الظروف التي مر بها الوضع الميداني.
تقول المصورة أبو العوف، :"أول فيلم تناول قصتي كمصورة صحفية أعمل في قطاع غزة على طول الحدود، لطالما كنت فخورة بنفسي بعفويتي وطيبتي كأم صابرة وقوية ومصورة صحفية رائعة وجدعة، كوني امرأة فلسطينية تتحدى كل الاشياء الصعبة ونظرة المجتمع والظروف".
"أكثر من عشر سنوات مضت كنت المصورة الوحيدة بين المصورين الرجال، كنت أغطي مسيرات الحدود منذ عام 2013، وها أنا فخورة بنفسي في كل مراحل حياتي لم تكن مهمة سهلة أبداً، لكني كنت دوما أستطيع، إنها قوة من ربي، يمنحني اياها لصدق رسالتي وهدفي"، تتابع أبو العوف التي خاضت غمار الموت لأجل كشف الحقيقة وإثبات الجاني من المجرم في صورة توثقها بعدستها.
لذات الهدف شاركت المصورة الصحفية أبو العوف في مسابقات دولية تنافس على مكنون الصورة، فكانت في كل مرة وقفت على رأس قائمة التميّز من بين آلاف الصحفيين المنافسين من شتى دول العالم.
وفي محطة أكثر خطراً عايشت المراسلة التلفزيونية لقناة الجزيرة العربية غالية حمد أحدثاً فارقة في واحدة من الخطوات المتقدمة في حراسة الحقيقة عن قرب، فلم تنعم على مدار الحروب والأحداث التي عصفت بالساحة الفلسطينية في قطاع غزة بالراحة إلى جانب طفلتيها.
تقول الصحفية حمد، :"كونك اخترتِ أن تكوني صحفية فأنتِ تلقائياً تنازلتِ عن كثير من هدوئك الشخصي واعطيتها للصحافة"، وتضيف من جملة ما حملته في ذاكرتها المكدسة بأرشيف الحرب، "أتذكر في حرب 2021 قبل الأخيرة كانت هناك طفلة ناجية من تحت الأنقاض، وكل الصحفيين كانوا يحاولوا يتحدثوا معها لكنها كانت في حالة صدمة وذهول، وحاولتُ بأمومتي أن أحدثها بملاطفة بعدما نسيت في عمق الحدث أنني صحفية وسألتها، أجيبلك عروسة؟!، فاستجابت لي الطفلة بسهولة".
تتابع حمد أن الصحفية الأم تضفي على تغطيتها شيء من الإنسانية الضائعة بين تتابع الأحداث، وتعطي للصورة معنى إنساني أكثر عمقاً من الذي يمارسه الصحفي بطبيعته.
وفي استعادتها لمشهد إجرام الاحتلال مع الفلسطيني ومع الصحفي على حد سواء، تقول إن الدرع الصحفي برغم صناعته بجودة مناسبة إلا أنه ضعيف أمام استهداف الاحتلال وجرائمه الممارسة ضد المهمة التي يعتبرها جريمة بعد قتله للصحفية شرين أبو عاقلة وخالد حمد ورامي ريان وهم يرتدون البزة الصحفية.
رئيس قسم الصحافة والإعلام في الجامعة الإسلامية بغزة وائل المناعمة، يقول:" لا شك أن المتابع للمشهد الإعلامي الفلسطيني اليوم، يجد فيه مساحة واسعة لمشاركة المرأة الإعلامية في كل المجالات الإذاعية والتلفزيونية والإلكترونية، فضلا عن أنها تقوم بكل المهام؛ فنجدها مراسلة تنقل الحدث وتتعرض لنيران الاحتلال، ومصورة، ومذيعة، ومقدمة برامج، ومحررة، ومخرجة. وهذا يؤكد تطور مشاركتها الإعلامية تطورًا لافتًا".
بينما يوضح أسباب ظهور المرأة الإعلامية في الوسط الفلسطيني بقوله:" يعود اتساع المشاركة الإعلامية للمرأة الفلسطينية إلى عدة أسباب، تتمثل في: التغير التدريجي للنظرة السلبية المجتمعية لعمل المرأة في مجال الإعلام؛ ووجود مؤسسات إعلامية تتوفر فيها بيئة محافظة تضمن للمرأة العمل في أجواء اجتماعية وثقافية مقبولة؛ وإثبات المرأة جدارتها في خوض غمار العمل الإعلامي، إلا أنه وبالرغم من اتساع المشاركة الإعلامية للمرأة الفلسطينية، فإنها لم تصل إلى مراكز اتخاذ القرار بهذه المؤسسات بما يتناسب مع حجم مشاركتها؛ مع وجود تباين بين قطاع غزة، والضفة الغربية".
وحـدة الرصد والمتابعـة في المكتـب الإعلامي الحكومـي وثقت الانتهاكات التي يعرضها التقريـر السنوي، والـذي يغطـي الفتـرة مـن 01 كانـون الثانــي/ ينايــر 2022 إلــى نهايــة شــهر 12 ديســمبر/كانـون أول 2022، حيث بلغت تلك الانتهاكات مـا يزيـد عـن "1014".
وكرر الاحتلال جرائمــه في العــام 2022 ليغتــال الصحفيتيــن شـيرين أبــو عاقلــة، وغفــران وراســنة، وقمــع الصحافييــن ووســائل الإعلام مــن أجــل إقصائهــم وإبعادهــم عــن الميــدان ومنــع عمليــات التغطيــة، ســيما فــي القــدس ومختلف مــدن الضفــة الغربية المحتلة.

