على أرجوحة بقيت منذ الطفولة تحتضن آثار رائحة والدهم منذ ثماني سنوات بداخل منزلهن بمدينة غزة خلت منه رائحة العائلة التي فرقها الاحتلال، فعّم الصمت جدران المنزل الذي تسكن به القاصرتان الشقيقتان حلا (16 عاما) وخديجة (14 عاما) أبو نحل ليحرمن من أدني حقوقهن بوجودهن وسط أسرتهم.
قبل ثماني سنوات خرج والد حلا وخديجة برفقة زوجته وبناته الثلاث من غزة لتلقي العلاج بالضفة الغربية تاركين الشقيقتين بصحبة خالتهم إلى حين الانتهاء من رحلة المرض، ليقلب الاحتلال موازين الحكاية ويشتت تلك العائلة وبات الهاتف الوسيلة الوحيدة للقاء بينهم رغم انه لا يوصل مدى الشوق والحنان لأسرتهما.
أجبرت الظروف حلا على رعاية شقيقتها الأصغر سنا لعدم وجود والديهن فأمهن ووالدهن وثلاث شقيقات يعانين من مرض نادر يتواجدون بالضفة منذ ثماني سنوات لرحلة علاج غير متوفر في غزة، لم يوافق الاحتلال على استقدام الشقيقتين حتى اللحظة، لتتحمل الشقيقة الأكبر مسؤولية وهي بسن الطفولة جعلتها تأخذ كل الأدوار كأم وأب وصديقة لأختها.
عزلة عن العالم
"نعيش من دون عائلتي ووالدي وأخوتي كأننا أيتام، والهاتف لا يغني عن وجودهم، لم نعد نستطيع استعادة ملامحهم من الذاكرة" بتلك الكلمات تخط حلا وخديجة حكاية ممزوجة بجرح وحزن.
وصلت السبل بحلا وشقيقتها للعيش بمنزل لوحدهم، تلقي نظرة من داخل عزلتهن" سكنا عند خالتي وأناس آخرين، الوضع صعب والناس صحيح تتحملنا بسبب ظرفنا، لكن لم نرد ارهاق الجميع فقررنا العودة للمنزل".
فلم يكن المنفس الوحيد لهم سوى منزلهن فيرعين جدتهن البالغة من العمر 89 عاما، يمضين الوقت يستمعن لحكايات من ذكريات الجدة لم تعثر على حكاية تواجه وجعهن.
قدمت الشقيقتان 21 مرة تقريرا طبيا لاستكمال علاجهن (نقص نمو) وباءت جميع المحاولات بالفشل وبذلك رفض الاحتلال خروجهن لرام الله بالضفة الغربية لاجتماعهن بأسرتهن أيضا دون أدنى سبب، فكانت آخر محاولة بتاريخ 23 نوفمبر/ تشرين ثاني 2022، قوبلت برفض أمني إسرائيلي.
"كنت بالصف الثالث الابتدائي، عندما سأفرت عائلتي وأختي بالصف الأول، لم نكن بنفس درجة الوعي الحالية، فمرت ثمان سنوات، ونحن في حاجة إلى أبي وأبي، اشتقنا لاحتضانهم ولجلوسنا معا ولملمة شتات العائلة، ترى الناس في الخارج سعداء بالجلوس مع عائلاتهم ونحن محرومون من ذلك" كلمات ترافقها غصة قهر.
وتقضي الشقيقتان حياتهن بغرفة تذاكرن دروسهن للحفاظ على تفوقهن، او على شاشة الهاتف يتواصلن مع اسرتهن واخوتهن من خلال مواقع التواصل الالكتروني فاقدين حنانا لا تعوضه شاشة الهاتف.
وتجلس الشقيقتان تسترجعان ذكرياتهما القديمة عندما كانوا يذهبون لمنزل جدهم كل يوم خميس، يبكين ذكريات أخرى عندما كانت والدتهن تطهو لهم الطعام وتعد الحلوى، وفي كل مرة يباغتهن فيها الشوق، يبكين على أطلال الذكريات.
شعور صعب أن تعيش حياة تشبه حياة الأيتام ووالديك على قيد الحياة، هذا ما وصلت إليه حلا: "لا أحد يشاركنا أفراحنا ولا مناسباتنا ولا شيء، ضاقت صدورنا من شدة الشوق".
محاولات لا تتوقف
في الضفة الغربية، يتواجد والدهما وثلاث شقيقات، تخرجت اثنتان منهن من مرحلة الثانوية العامة بتقدير امتياز، كانت حلا تتمنى أن تشاركهن "فرحة منقوصة" عاشتها العائلة المشتتة بين بقايا جغرافيا تجثم حواجز الاحتلال بينها.
قبل عام أطلقت حلا صرخة مناشدة من أمام مقر وزارة الشؤون المدنية بمدينة غزة، واعتصمت مع "زوجات عالقات" أمام حاجز بيت حانون، بهدف لم شمل العائلة، تجدد صرختها: "من حقي الطبيعي أن أرى عائلتي وأن نجتمع في بيت واحد، ولا زلت أطالب الجميع أن يجمعوننا بعائلتنا".
تدخل خديجة في أطراف الحديث تجلس على الأرجوحة: "لا أبالغ إن قلت إني يوميا أبكِ من شدة الشوق على وسادتي قبل النوم، اشتهي اللحظة اليت ستجمعنا معا، أريد رؤيتهم أمامي وأشعر بوجودهم وبأمانهم، فنحن نعيش هنا لوحدنا، يسيطر علينا شعور الخوف من الوحدة والعزلة".
عاشت حلا وشقيقتها حياة طفولة خلت من حضن الأم والأب، لدرجة اختفت ملامحهم من ذاكرة خديجة: "كان عمري خمس سنوات، عندما سافرت العائلة فلم تحتفظ ذاكرتي بأي مواقف بسبب صغر السن، حتى أن ملامحهم اختفت، وبقي حبنا لهم بسبب تواصلنا المستمر".
في قطعة القلب الأخرى من الوطن، يأتي صوت والدهما عبد الباسط يروي تفاصيل القصة، بأنه قام بتغيير عنوان سكنه إلى رام الله لأن فترة علاج بنات الثلاث تحتاج لسنوات طويلة، وقبل عام قدم طلبا لاستقدام جميع أفراد أسرته فوافق الاحتلال على سفر ابنه، ورفض الاحتلال حلا وخديجة.
منذ ثماني سنوات يجدد الأب بداية كل شهر محاولاته لاستقدام ابنتيه، على أمل أن تنجح إحدى المحاولات في استقدامهن، في المقابل لا زال الاحتلال يضع العثرات في طريق لم شمل العائلة.
وبتنهيدة تخبر عن مدى الألم الذي يسيطر على قلبه، يقول: "لم أكل أو أمل في ذلك لكن للأسف لم يأتِ القبول، والأمر الصعب أنني لا أستطيع العودة لغزة لأن برنامج العلاج لم ينتهِ لبناتي الثلاث، فيتابعهم طبيب متخصص بمستشفى المقاصد منذ 2012، ولا يوجد أطباء متخصصين بعلاج مرضهن في القطاع، وعدم توفر العلاج الذي يحتاج لجرعات يومية تستمر لعشر سنوات".

