غزة – الرأي - نيفين أبو حصيرة:
وضعت يدها على قلبها وهي تنتظر نتيجة فحص طفلها "سعيد" دق القلق مسماره في قلبها، ثم خرج الممرض وبيده تقرير التشخيص يعلمها أن ابنها "مصاب بطيف التوحد"، أسدلت الدنيا ستارها الأسود أمامها، ولم ترَ شيئًا سوى مستقبل قاتم خيم على رؤيتها القادم، لتعود لمنزلها مكسورة الجناحين.
رغم أن سعيد قبل ذلك كان لا يبدي أي علامة من علامات التواصل مع عائلته، ونومه كان قليلا جدا، يغضب بسرعة، ويصرخ بدون سبب، ولا يبدي أي اهتمام لمن حوله ولا حتى يشاركهم نظراته ولا يتفاعل مع من يناديه، فقط جُلُّ اهتمامه أن يجلس وحيداً بين الكتب يتأمل الصور ويقلب الصفحات مع أنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولم يكن نطق بأي حرف بعد، لكن والدته اعتقدت أنه مجرد انطواء ذاتي وليس مرضا.
كانت تعرف أمه ناهد العكلوك من مدينة غزة، بعض المعلومات عن التوحد بفضل اللفتة التي جذبتها سابقا وبعد تشخيص طفلها بدأت بالبحث والتعمق أكثر.
أيقنت من خلال البحث أن المشكلة كبيرة وتحتاج منها رحلة طويلة والأهم من ذلك كله أنها أدركت وجوب اغلاق كل نوافذ الاحباط وبَنت جداراً عازلاً لها ولسعيد، فكما يقال إن: "علاج أي مرض يبدأ بعلاج النفسية أولاً"
فاتخذت من هذا الجانب علاجاً وبدأت تهمس في أذن نفسها: " ابني سيصبح طبيعيا وكل هذا مؤقت وسينتهي ".
رحلة العلاج
كل تلك الرسائل كانت كفيلة بأن تشحن قواها العقلية والجسدية والنفسية وحتى العاطفية للبدء في رحلة علاج لتكون سبباً في انتشال طفلٍها من هذا العالم المظلم و"العودة به للاندماج بالحياة".
"بحثت وتنقلت من مؤسسة إلى أخرى ومن أخصائي إلى آخر ومن طبيب إلى طبيب ثانٍ، علني أجد حبة دواء أو وصفة سحرية تخلص "سعيد" من ذلك المرض، وفي كل مرة كنت أتخبط بين الأمل والفقدان" تخط قصتها من البداية.
في فترات عديدة أصيبت بالخذلان ممن حولها، ومنهم من أعطاها كتاباً عن كيفية التعامل مع طفلها ذو الثلاثة أعوام على أساس أنه لن يتحدث مطلقاً طوال حياته، وما كان منها إلا أن تلقيه في أقرب حاوية قمامة وجدتها أمامها.
شخص واحد فقط أعطاها وصفة فهمت ما بين سطورها وما عليها أن تفعله قال لها: "ما بحك جلدك إلا ظفرك" وصلتها الرسالة جيداً بأن الحل السحري بيديها همست بقلبها أنا فقط من يستطيع.
أيام وليالي وشهور طويلة مضت لم يواسيها فيها إلا البكاء ولم يساندها إلا زوجها والدعاء، إلى أن أيقنت يوما بأن كل وقت يمضي هو من عمر طفلها ويجب أن تستغله في تعليمه وتدريبه بدلا من البكاء الذي لن يوصلها لشيء.
"بدأت برحلة التعليم والتدريب، كان طفلي صفحة بيضاء لا يعلم عن عالمنا شيئا، فسخرت كل طاقتي واهتماماتي لجذبه، جعلته ظلا يرافقني في كل صغيرة وكبيرة، وبدأت بتعليمه أبسط الأمور، كان أولها لا يبدي أي ردت فعل لكلامها" ورغم ما ترويه عند بداية المعاناة لنا، إلا أنها أكملت رحلتها ولم تيأس.
أجمل كلمة!
كانت تعيد له الكلمات مرارا وتكرارا دون ملل أو كلل، وبعد ثلاث سنوات من التعليم والتدريب المكثف بالإضافة لجلسات النطق والتأهيل، حصلت على أول كلمة نطقها بعمر الخامسة وهي كلمة "ماما"، فكانت أجمل كلمة سمعتها بصوته.
تغمر قلبها نفس الفرحة التي اقتحمت قلبها آنذاك في لحظة داهمتها الدموع: "شعرت بسعادة كبيرة بمناداته لي، أخيرًا سمعت صوته لأول مرة في حياتي، كان الحدث الأجمل في هذه المرحلة بعدها شعرت أنه بدأ بالاستجابة لي ويتعلق بي أكثر فأكثر ويلازمني، ويلاصق جبهته بجبهتي، وكلها اشارات بأنني نجحت في تشكيل مصدر ثقة وأمان له".
وبعد مرور سنوات تعلم فيها سعيد القراءة والكتابة، وفي أحد الأيام رافق أمه لمكان عملها فجاءها اتصال فانشغلت عنه قليلاً، جذبت نظرات الطفل ورقة على مكتب والدته مكتوب فيها اسم "روضة سنابل" فهو يشبه اسم روضته السابقة، دفعه الفضول لفتحها وإذا به يقرأ تقريراً يصف حالته وما به من مرض، انتهت والدته من المكالمة لتجد ملامح طفلها يعلوها الغضب: "لماذا لم تخبريني من قبل انني اعاني من مرض التوحد".
وقفت أمه مذهولة وألف سؤال يدور في ذهنها: "كيف عرف ذلك، ومن أخبره؟"، ولكنها استجمعت قواها وتداركت الموقف واحتضنته والصقت جبتها في جبهته كما كان يحب أن يفعل لتتقرب منه أكثر".
بكلماتٍ رقيقةٍ لطيفة، اعترفت له أنها كانت تنتظر الوقت المناسب لتخبره أنه كان يعاني من التوحد وأنه مختلفٌ عن اقرانه بشخصيته وأفكاره وأن اختلافه ميزة فيه وليس نقصاً أو عيبا وأنه شجاع تحدى مرضه وقاومه وتغلب عليه، كان هذا الموقف الاصعب بالنسبة لأمه " ناهد " ولكن: "بلطف الله تقبل سعيد الأمر" قالتها بتنهيدة ارتياح.
بعد ذلك بدأت الأخبار السارة تتدفق عليهم، وبدأت تحصد نتاج صبرها وتعليمها المكثف لطفلها، وها هو سعيد الآن فقد بدا شاباً جميل الطلة والهيئة، هادئ الطباع، محباً للعلم والتعلم، محباً للكتب ومثقف يتابع الأخبار والرياضة.
حصاد التعب
انضم لأقرانه في مدرسته الخاصة التي احتضنته وشكلت له نقلة نوعية جذرية في سلوكه وتعامله وفجرت مكامن اللغة لديه لتجد أمه "ورقة مكتوب فيها رسالة من سعيد معبرًا عن حبه وامتنانه لها قائلاً: "لطالما خططتِ بأناملك الكلام الجميل لتغرسيه في قلبي وتنيري عقلي بالعلم النافع الذي راهن الجميع على ضعفه وعدم قدرته".
في رسالة نبعت حروفها من قلبه، يكمل: "طوبي لتلك الأنامل التي قلبت الصفحات وصححت الاعوجاج وقومت الضعف، وخططت بروحها وقلبها لتصل إلى ما أنا عليه الآن فها أنا ذاك في الصف الثامن أتنقل من مرحلة لأخرى ومن صف لآخر وعندي من الأحلام والطموحات ما تفوق أقراني" وختم رسالته بقوله: "إنني صنيع أمي بكل فخر".
قرأت ناهد الرسالة ودموع الفرحة كادت أن تغرقها، فرحة عارمة، شعور لا يوصف، سعيد أعظم انتصاراتي، وانجازاتي، هدية من الله، "سعيد أخرج أجمل ما في داخلي، معه شعرت بأني إنسانة راقية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، اكتشفت ذاتي، كم أنا صبورة، فبث فيا روح الأمل، وأصبح لدي طموحات عظيمة".
"تحول سعيد من صفحة بيضاء خالية من اللغة والعبارات والتفاعل، إلى طالب متفوق مجتهد منخرط بالعلم والحياة يحصل على شهادات تفوق في إحدى المرات كرمته المدرسة لحصوله على لقب "الطالب المثالي"، فكان ذلك حصاد رحلة "عذاب" عشتها وعايشت معه كل تفاصيلها ومراحلها" ينتشي صوت والدته ناهد العكلوك بالفرحة، تتمنى أن تصبح ملهمة لكل الأمهات اللواتي يواجهن نفس المعاناة.
تهمس في أذن الأمهات اللواتي يواجه أبناؤهن نفس المرض: "التوحد عالم مميز يصنعه الطفل ويعيش بداخله، ونحن علينا جذبه واخراجه إلى عالمنا بكل ما أوتينا من إرادة وحب وعزيمة، ورسالتي الأخيرة لكل عائلة منحها الله ملاكا كي يكون لها مصدر إلهام، فأطفالنا منحة وهبة من الله، أحبوهم واستمدوا القوة والعزم والاصرار والتحدي معهم وتميزوا بهم".
"لم يكن التوحد يومًا عائقًا يقع على كتف حامله، بل إن أفكارنا المغلوطة ونظرتنا الدونية هي من تحبط عزائمنا وعزيمة كل فرد يحاول أن يقهر مرضه وينتصر عليه بالعزيمة والإرادة لتحقيق مبتغاه" تختم.

