يقرع العيد طبوله رسمياً مع انتشار روائح "الفسيخ المقلي"، تفوح أصنافه المقلية من نوافذ البيوت المتجاورة، تتخالط في الهواء وتتداخل فيما بينها، بينما ينشغل كل بيت على حدا في تجهيز مائدة العيد التي لا تكتمل إلا بحضوره الذي يصفه الفلسطيني بـ"الطعام الملوكي".
ففي نهاية العشر الأخيرة من شهر رمضان المبارك، يبدأ الفلسطيني بالتحضيرات لاستقبال أيام عيد الفطر على قدم وساق، حرصاً منه على إضفاء البهجة والفرح في واحدة من صور تعظيم الشعائر الإسلامية بعد توديعه لشهر الخير.
ومن هذه الأجواء التي لا يتجاوزها الفلسطيني إلا وقد أتمّها على أكمل وجه، أولّها إفساحه المجال لأن يتربع "الفسيخ على مائدة طعامه صباحاً بعد أداء صلاة العيد جماعة في المساجد القريبة من بيته أو أدائها جماعة بين جموع المصلين في العراء.
ويعتبر الفسيخ أشهر الطقوس المتعلقة بقدوم عيد الفطر، ويسعى المواطنون لتوفيره قبيل حلول عيد الفطر بأيام تحضيراً لاستقبال العيد والمهنئين، ويتضاعف عمل المصانع في غزة خلال شهر رمضان لتسويق أصنافه في أواخر الشهر الفضيل في الأسواق المحلية.
ويتصدر الفسيخ "السمك المملح" وأنواع الكعك أبرز طقوس عيد الفطر، حيث تتزين أسواق وشوارع قطاع غزة ببسطات الفسيخ، التي تعتبر من أهم وجبات الإفطار الرئيسية في صبيحة أول أيام عيد الفطر بعد أداء الصلاة مباشرة.
بائع الفسيخ "فادي الحلو"، أحد تجار الأسماك المجمدة، والمختص في الأيام الأخيرة من شهر رمضان ببيع الفسيخ، يقول: "يتهافت الناس على شراء الفسيخ بكافة أنواعه من سمك البوري والجرع والدنيس ككل موسم، وبرغم الظروف المادية الصعبة، إلا أنهم يحافظون على طقوس توفير هذه الوجبة ضمن موائد الإفطار خلال عيد الفطر".
يتابع الحلو لـ"الرأي"،: "صناعة الفسيخ تبدأ قبل قدوم العيد بشهر على الأقل، حيث يتم فرز سمك بأحجام متوسطة من الجرع والبوري وهو أفضل الأنواع للفسيخ إضافة إلى أنواع أخرى، ثم يتم تنظيفه جيداً وغمره بالملح ومن ثم دفنه على رمال شاطئ البحر أو في براميل كبيرة، ومن ثم تفقده بين الفينة والأخرى كي لا يفسد".
كعك ومعمول
أما عن ليلة العيد فهي الأكثر جمالاً، لاستعداد الأطفال والأمهات لاستقبال صباحات مبهجة، هذه ليلة طويلة تمر على الأطفال الذي يفترشون ملابس العيد إلى جانب أسرة نومهم، وقصيرة على الأمهات برفقة الإرهاق الممتع في صناعة طبق حلوى العيد الرسمية "الكعك والمعمول".
بأيدٍ خفيفة تفرد أم محمد عودة عجينة "الكعك" المحشو بالتمر، ثم تلفها على شكل حلقات دائرية وترص حبات الكعك داخل أطباقٍ كبيرة قبل إدخالها إلى الفرن.
ضحكات الأطفال وانشغال الأم عودة تعُم المكان بأجوائه المرحة؛ في لحظة كلُ يقوم بدوره في إعداد الكعك، فالزوج يشرف على عملية التحضير والترتيب، والأولاد يقومون بالمساعدة بمهمة خبز الكعك أمام شعلة الفرن الملتهبة.
في ذات الوقت تفتح عشرات النساء بيوتها لاغتنام فرصة الرزق خلال أيام شهر رمضان، حيث يقمن بصناعة كميات كبيرة من الكعك بطريقة احترافية لتسويقه والحصول على مدخول مادي مناسب.
أم المعتصم علي، زوجة عشرينية فضلت أن تساعد زوجها في مصروف البيت، لشراء حاجيات العيد وإكمال كسوة أبنائها، حيث لا يسمح الوضع الاقتصادي بفسحة تتسع لكل الاحتياجات اللازمة.
وفتحت الزوجة التي يعمل زوجها سائقاً لسيارة أجرة، باب الطلبات لتلك البيوت التي لا تقحم نفسها بأشغال الكعك المعمول، ما أتاح لها فرصة جيدة لإنجاز مهمتها في أيام اعتبرتها فرصة ذهبية لاستثمار مهارتها في صناعة أطباق الحلوى من الكعك والمعمول.
ويعد "الكعك" هو الضيافة الرئيسية التي يقدمها الفلسطينيون لضيوفهم خلال عيد "الفطر"، ومع اقتراب أيام العيد يقبلون على الأسواق لشراء الكعك، ويطلبون بكميات وفيرة ضيافتهم.
طبق العيد
أما عن الطبق الثالث، والذي تصنعه الأمهات في أول أيام العيد السعيد، في واحدة من تنويع أطباق الأطعمة بعد تناول الفسيخ صباحاً وحبات الكعك بوفرة خلال النهار، تصنع الأمهات أكلة "السماقية" إكمالاً لأجواء البهجة وامتداداً لإكمال الطقوس اليومية لأيام العيد الثلاثة.
"حاذق حار" هو مذاق طبق السماقية الذي يزيّن المائدة الغزاوية أيام عيد الفطر، فهي أكلة شعبية توارثتها الأمهات عن الجدّات، ويحاولن تعليمها للفتيات الصغيرات ليحفظن عادة يقبل عليها الصغير قبل الكبير.
ورغم أن مكوّناتها ثابتة ولم يطرأ عليها أي تعديل منذ عشرات السنين، إلا أن كل سيدة غزاوية تصنعها بطريقتها المميزة، وتتفنّن في طريقة تقديمها مع الخبز البيتي والمخللات الشهية، التي تُصنع في البيت أيضًا.
ولا يقتصر طهي السماقية في الأعياد فقط، بل هي صاحبة الأفراح والأتراح كما يصفونها، كونها تصنع وقت العزاء أو وقت الأفراح، لا سيما حفلة العريس التي تسبق فرحه، ويشتهر بها أهل غزة لأنها لا تحتاج إلى ثلاجة فتريح المرأة، لذلك سمّيت "الطبخة الكسلانة" حيث يكمن حفظها أيامًا.
ورغم تنوع الأكلات الشعبية وإدخال الأطباق الحديثة التي باتت يتقنّها الغزاويات، إلا أن السماقية تبقى سيدة المائدة الغزاوية في الأعياد، فمن تذوقها مرة واحد يبقى طعمها في فمه حتى يكرر التجربة.

