"في بعض الغياب حضور أكبر"، هكذا فعلت الصحفية شيرين أبو عاقلة على طول العام الذي غاب فيه وجهها إلى الأبد عن شاشة قناة الجزيرة الفضائية، ففي كل مرة تتصدر بالصوت والصورة لتغطية الأحداث المتطورة في الساحات الفلسطينية مهما كانت ظروفها الخاصة.
تختم جولتها الإعلامية أمام الكاميرا وخلف شاشة التلفاز المباشرة "شيرين أبو عاقلة، فلسطين المحتلة"، فكان لصوتها بقاءً أطول وحضوراً أعمق لا زال حياً، ليبقى شاهداً حتى أمد بعيد على جريمة الاحتلال "الإسرائيلي" بتعمده اغتيالها أثناء تغطيتها اقتحام مخيم جنين شمال الضفة الغربية المحتلة.
"انقلبت حياتي خلال ثوان، ومنذ تلك اللحظة وأنا اشعر أني قُتلت مع شيرين تحت الشجرة"، هكذا وثقت الصحفية شذى حنايشة ذكرياتها لحادثة اغتيال أبو عاقلة قبل عام.
بلا محاسبة
اليوم الحادي عشر من مايو(أيار) يصادف الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الاحتلال الزميلة الصحافية العاملة في قناة "الجزيرة" شيرين أبو عاقلة، وكشفت قناة الجزيرة أن الاحتلال قتل أبو عاقلة متعمدًا، خاصة وأنها كانت ترتدي شارة الصحافة، ورفعت القناة قضية دولية ضد الاحتلال، ونشرت صورًا ومقاطع مصورة تثبت صحة ادعاءها.
قضية اغتيال الصحفية الفلسطينية أبو عاقلة لا تزال مرفوعة أمام المحاكم الدولية، دون محاسبة للاحتلال الذي ارتكب جريمة قتلها بدم بارد، أمام مرأى ومسمع من العالم.
الشاهد الأول على حادثة الاغتيال شذى حنايشة، تحدث نفسها دوماً حول مصير الجندي الذي قتل زميلتها، واستمر بإطلاق النار عليها، وتقول "ربما انتقل هذا الجندي اللعين لاقتحام أريحا مثلا، أو ربما قتل أحد المقاومين في نابلس"، ثم تمني نفسها بأن يحاكم لينعم قلبها الشاهد على الجريمة بالراحة.
وكانت شذى قد نقلت شهادتها على الحدث عشرات المرات وأمام العديد من الناس والمسؤولين وحتى الجهات الدولية، كان آخرها أمام الأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين ثاني من العام الماضي، وفي كل مرة كانت تحاول التأكيد أن هدفها الأساسي وما يشغل تفكيرها هو محاكمة قاتل شيرين والمتسبب بحالة الرعب التي عاشتها ذلك اليوم وما تعبه من آثار ما زالت تعاني منها حتى بعد مرور عام على الجريمة.
المحكمة الجنائية الدولية أعلنت رفعها ملف الشكوى في قتل الإعلامية شيرين أبو عاقلة، إلى مجموعة المعلومات الخاصة بها، وإرسالها لموظفيها المعنيين لمزيد من المراجعة.
وأكدت وحدة المعلومات والأدلة في مكتب النائب العام للمحكمة الجنائية الدولية، أن رسالة الرد من الجنائية لا تعني أن مكتب المدعي العام قد اتخذ قراراً بشأن جوهر رسالتكم.
كما أعلنت شبكة الجزيرة الإعلامية رفعها قضية اغتيال مراسلتها في فلسطين شيرين أبو عاقلة إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعد أدلة أثبتت قتلها عمدًا برصاص جيش الاحتلال.
وذكرت الشبكة حينها في بيان أن رفع قضية اغتيال أبو عاقلة للمحكمة الجنائية يأتي بعد إجراء فريقها القانوني تحقيقا في القضية، مشيرا إلى أن الملف المرفوع للمحكمة الجنائية يبرز أدلة بأن شيرين تعرضت لإطلاق نار من قوات الاحتلال.
وقالت الشبكة إن: "الملف يؤكد أن ادعاء إسرائيل بأنها قتلت شيرين خطأ لا أساس له، كما لم يكن هناك اشتباكًا في المنطقة التي كانت فيها الصحفية أبو عاقلة، بحسب الملف الذي رفع للجنائية".
الصحفية شذى حنايشة احتاجت لمساعدة نفسية لعلاجها من حالة الصدمة التي صاحبتها بعد حادثة اغتيال شيرين، ولجأت ولأكثر من شهر إلى جلسات علاج وتفريغ نفسي ساعدتها في تخطي الصدمة وآثارها، ومحاولة تجاوزها.
مهندسة معمارية
شيرين نصري أبو عاقلة، هي صحافية وُلدت في القدس عام 1971 وهي مراسلة صحفية فلسطينية تعمل مع شبكة الجزيرة الإعلامية، وتنحدر من عائلة مسيحية مشهورة في مدينة بيت لحم.
ودرست في بداية مسيرتها الجامعية تخصص الهندسة المعمارية بجامعة العلوم والتكنولوجيا في الأردن، ثم انتقلت إلى تخصص الصحافة المكتوبة، وحصلت على درجة البكالوريوس من جامعة اليرموك في الأردن.
وعادت الشهيدة شيرين بعد التخرج إلى فلسطين وعملت في مواقع عدة مثل وكالة "أونروا"، وإذاعة صوت فلسطين، وقناة عمان الفضائية، ثم مؤسسة مفتاح، وإذاعة "مونت كارلو"، وفي العام 1997 انتقلت للعمل مع قناة الجزيرة الفضائية وحتى يوم اغتيالها.
وتبقى قضية اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة قضية حق مثبتة بالصوت والصورة والدليل، وبقيت الشاهد الأول والأقرب من قلب الحدث الصحفية الناجية شذى حنايشة، ولا يمكن للاحتلال مهما أنكرها أن تسقط عنه، فهو متهماً بدمها.

