"كنت بفكّر حالي بحلم، لكنّ سواد نيران القصف وانهيار الجدران فوق رؤوسنا أيقظتني من ذهولي لأتفقد إخوتي"، اللحظات الأولى من وقوع الفاجعة لم تسعف "منة" ابنة الستة عشر خريفاً من احتضان أختها الصغيرة "ميرال" المصابة بصدمة الواقعة في مشاهدة كابوس حقيقي وهي تبكي بلا توقف "بدي بابا، بدي ماما".
أيدي المسعفين تلقفت الصغيرة "ميرال" ابنة السبعة أعوام وهي تبكي غير مبالية بكثرة الوجوه، وانقلاب هدوء ليلها إلى كارثة ستبقى في ذاكرتها إلى الأبد، فطلبها الوحيد أن تطمئن برؤية وجه أبيها عوِضاً عما يحدث، ليرد عليها الأطباء "تخافيش يا عمو هي بابا جاي"، لكن أباها لن يعود كما أخبروها.
"منة" الابنة الأكبر بقيت على قيد الحياة وشقيقتها الأصغر "ميرال"، واثنين من أشقائها الصغار "يزن" و"يامن" الذين غطى الغبار وجهيهما وترك في قلبيهما أثر المصاب المفجع وبشاعة المنظر، أما عن والدهم الطبيب جمال، وأمهم ميرفت وأخيهم الأكبر يوسف فقضوا شهداء وهم نيام.
منتصف ليل يوم الثلاثاء التاسع من شهر مايو الجاري، أغارت الطائرات الحربية "الإسرائيلية" على بيوت المدنيين في قطاع غزة، فقتلت أربعة من الأطفال وثلاثة من النساء وأزواجهم جملة واحدة، فصار شكل العائلة الجديد بلا أم ولا أب ولا أخ أكبر يقود السفينة.
كـ "الصاعقة" وقع نبأ استشهاد الطبيب جمال وزوجته ونجله على أذهان وقلوب عائلته والجيران والمرضى الذين خالطوا الطبيب ذو الخلق الدمث، فهو "الطبيب الإنسان" كما يطلق عليه الفقراء والمرضى، كان أيقونةً للعمل الخيري والإنساني، فقد كان يتفقدهم باستمرار ويقدم لهم الرعاية الطبية والإغاثية بشكل مستمر؛ بحكم عمله رئيسًا لمجلس إدارة مشفى الوفاء ودار المسنين.
"منة الله" أخذت تبحث عن سلوى تعينها على جحيم الفقد، لكن الحدث نسف معه كل شيء، فهاتفُ أبيها يحمل أرشيفاً من الذكريات وحزمة من صور العيد الأخير الذي جمعهم، لكنه تحول إلى كتلة محترقة من الذكريات المدفونة بين أكوام الركام.
تقول "منة"، "بحثت عن صور والدي بين مواقع التواصل لأحصل على بهاء وجهه، وكذلك أخي الذي لم تتبهج قلوبنا بتخرجه من كلية الطب في الجامعة الإسلامية"، واصفة أنه البهجة الأولى التي لم تكتمل فصولها.
الطبيب "خصوان" حمل الجنسية الروسية بعد أن وُلد وترعرع في الشجاعية عام 1970، لديه خمسة من الأبناء وحاصل على شهادة في طب الأسنان، وتولّى رئاسة نقابة أطباء الأسنان في غزة سابقًا، ويرأس مجلس إدارة مستشفى الوفاء للتأهيل بغزة، ويحظى بُسمعة طيبة بين كلّ من عرفه.
ويمتلك الشهيد خصوان، مركزاً متخصصاً لطب الأسنان، فبشهادة زملائه الأطباء كان "إنساناً خلوقاً، وكريماً، واجتماعياً، يُفني حياته لخدمة المرضى، سواء في عيادته، أو في مستشفى الوفاء أو مركز رعاية المُسنين، وكان ينتظر تخرج نجله يوسف لإرساله لإكمال دراسته في مصر".
الطبيب خصوان هو قامة طبية ووطنية، حيث قدم الكثير من محطات العطاء خلال مسيرته العلمية والعملية، كما أنه من أصحاب الأيادي البيضاء في غزة، وله مواقف إنسانية عديدة، ويقضي جل وقته على خدمة المرضى والمحتاجين.

