على بعد سويعات من الاستعداد لركوب حافلات السفر بالمدينة المنورة وصولاً إلى مطار جدة لمغادرة بلاد الحجاز حيث أرض الوطن، كان قدر الحاجة "هنية حجاج" أن تصعد روحها إلى السماء في أطهر بقعة على وجه الأرض ، بعدما أنهت أداء مناسك الحج على أكمل وجه، واختتمت رحلتها الأولى والأخيرة بزيارة مدينة رسول الله وآذنت روحها بالارتقاء.
نزل خبر وفاتها كالصاعقة على قلوب أحبابها الذين تجهزوا لاستقبالها في ديارها، وسرعان ما تغير حال الانتظار من ابتهاج وفرحة عارمة إلى حزن دب في الأرجاء، فكان صدى الحزن مدوياً ومسافراً من المدينة المنورة إلى أرض قطاع غزة قبل وصول الفوج الثاني في وقته المحدد.
الحاجة "أم عاهد حجاج" خمسينية تعاني من مرض السرطان الذي استعمر جسدها قبل ستة أشهر من رحلة الحج، فانتصرت عليه بإصرارها على أداء فريضتها، ثم غلبها نهاية مطاف الرحلة.
الحاجة الفلسطينية "حجاج" كُتب لها أن تدفن في أرض البقيع بعدما قضت حياتها بين الرضا بالقدر وبين التضحية بكل ما أوتيت من غالٍ، يقول ابنها الوحيد "عاهد" لوكالة "الرأي": "أمي أخبرتنا بخاتمتها قبل رحلة السفر بعدما قالت أنها ستحج البيت ولن تعود إلى البلاد، وفعلاً كان ختام حياتها في آخر محطات سفرها ما أوقع في قلوبنا صدمة لا توصف".
"أمي قضت حياتها صابرة على فقد اثنين من أبنائها شهداء أثناء قصف الاحتلال لمنزلنا عام 2014، وبقيت انا لها وحيداً، ومن ثم ابتليت بمرضها الذي رافقها حتى رحلة الحج"، ويضف نجلها المتبقي من أفراد أسرتها أنها أوصته قبل عزمها على الرحيل من المدينة المنورة ألا يكتب تهنئة على الجدران وأن يكتفي بذبح الماعز بسلامتها.
لم تعد الحاجة إلى بيتها، ولن يودعها نجلها وأحفادها منه وسيذبح الماعز عن روحها بدلاً من سلامتها، وانعكس بيت المهنئين إلى بيت عزاء يتسع للمئات من الناس.
هذا العام لموسم الحج كان حافلاً بالأحداث المتلاحقة في صفوف الحجاج الفلسطينيين من قطاع غزة، فقد سبق حالة الوفاء المسجلة للحاجة "هنية حجاج" عدداً من الحالات التي نغصت على الحجيج مناسكهم بفتح بيوت عزاء في مكة المكرمة لأربعة من الحجاج قبل أدائهم لمناسك الحج.
أحد تلك الوقائع المفجعة أدت إلى وفاة اثنتين من الحاجات وهما في طريقهما لأداء مناسك العمرة الأخيرة لهما استعداداً للتجهز لخوض غمار مناسك الحج الأعظم، لكن خطوات القدر كانت الأسرع إليهما بعد إتمامهما الإحرام في منطقة الميقات.
حادث سير مفجع أدى لإصابة ركاب الحافلة من الحجاج الفلسطينيين ووفاة الحاجة الفلسطينية "ابتسام الشنطي" عن عمره يناهز الخمسة وخمسين عاماً، وبرفقتها الحاجة غالية أبو راضي "الشغنوبي" عن عمر يناهز الثلاثة وأربعين عاماً.
وفي حادثة أخرى، أعلنت البعثة الفلسطينية في بلاد الحجاز عن اختفاء الحاج مصباح موسى الذي يبلغ من العمر سبعة وسبعين عاماً، وبعد أسبوع واحد تم الإعلان عن وفاته بعد العثور عليه متوفياً في مدينة مكة المكرمة.
ولم يكن الحاج أبو موسى آخر الحجاج الفلسطينيين الذين لاقوا حتفهم في رحلة الحج الأخيرة، فقد توفيت الحاجة وفاء الحلو المصابة بمرض الخبيث قبل أدائها مناسك الحج، وكان الخبر ثقيلاً على أبنائها في قطاع غزة.
رحلة الحج لهذا العام كانت حافلة بالأحداث والمجريات التي غيرت مسار الكثير من الفعاليات المقرر عقدها داخل الفنادق، وتغيرت من حفلات ومسرات نبوية إلى بيوت عزاء مختلفة لكل حاج وافته المنية خارج بلاده.
بعثة الحج التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية قامت على مدار رحلة الحج بترتيب أمور الحجيج وتولي أمور الدفن المتوفيين منهم ومراسم التشييع والصلاة عليهم في بلاد الحرمين، وحاولت التسهيل بكل ما أوتيت من قوة.

