توفي، صباح اليوم الأربعاء، زجّال غزة الأول، الداعية د. رمضان الصيفي عن عمر يناهز (65 عاماً).
ويعدّ الراحل الصيفي (أبو رامي) أحد أعلام الفنّ المقاوم في فلسطين، وأحد مبعدي مرج الزهور.
من هو رمضان الصيفي؟
رمضان الصيفي، أبو رامي، الملقب بزجال غزة هو أحد المنشدين الذين كان لهم علامة فارقة في مسيرة النشيد الإسلامي في القطاع وصاحب الحنجرة التي دخلت كل بيت في غزة بعد العمليات الاستشهادية. كان أبو رامي المولود في غزة سنة ١٩٥٨ أحد أعضاء فرقة المجمع الإسلامي التي أسسها الشيخ أحمد ياسين، ثم أسس برفقة المنشدين القدامى مازن صلوحة ومحمد عوض فرقة الفن الإسلامي في منطقة الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة.
أصدرت الفرقة أربعة عشر شريطًا شارك فيه زجال غزة، كان أبرزها ألبوم البركان الذي تبع عمليتي العفولة والخضيرة. افتقرت الفرقة في ذلك الوقت لملكة التأليف مما دفعها لمحاكاة طراز الأغاني الزجلية المُغنّاة في الداخل الفلسطيني المحتل مثل أغاني شفيق كبها وأحمد مدنية ولكن بكلمات إسلامية. كان أبو رامي يدرك أن أن الجمهور يريد أن يفرح، وقد أراد أن تكون أناشيده سبيلا للتخفيف عن الناس ومواساتهم، فيقول لمعازف: “كسرنا الحاجز من خلال الزجل الشعبي والإيقاع السريع، الناس بدها تفرح وبدها ايقاع سريع يحمسها ويخليها تحس بالفرحة ويعالج مشاكلها وواقعها”.
تنقل أبو رامي بصوته بين أجزاء فلسطين فأحيا حفلاته في غزة والضفة والداخل المحتل، حيث شارك في مهرجان إم النور الأول الذي تقيمه الحركة الإسلامية بالداخل بشكل دوري. حاول من خلال أناشيده أن يؤرخ الانتفاضة الفلسطينية، ونستطيع القول أنه قد فعل ذلك عندما صدحت حنجرته بتبجيل مقاومي الحجارة ثم الكارلو والكلاشنكوف، كما كان في ألبوماته حضور ساطع للعمليات الاستشهادية والعبوات.
![]()
لا تقتصر أناشيده على سرد الملحمة بنبرة الأمل، لكنها تتجاوز السرد إلى التنبؤ، فقد تنبأ بصواريخ المقاومة الفلسطينية قبل صناعتها فأنشد عام ١٩٩٤ “أشعلها حربا قدسية بالقنابل اليدوية والحجارة المقدسية، اضرب اضرب بالمولوتوف بعد الحجر كلاشنكوف… بكرا بتكبر فرحتنا لما بنضرب صواريخنا”، وما كانت إلا سنوات قليلة، حتى غادرت كلماته مجاز المؤلف إلى إعجاز المقاوم، لتدكَ صواريخ المقاومة مغتصبات المحتل.
تردد صدى صوت الفنان أبو رامي الصيفي في كل مكان بغزة من محطات الراديو وأشرطة مسجلات السيارات إلى حفلات الأعراس وتأبين الشهداء ومناسبات وطنية تنقل بينها بحطته الفلسطينية وعقاله وإشارة تعلو وتدنو من يديه يحمس الجماهير الذين يرددون خلفه كلمات “فجر اضرب لا ترحم من فيها، دمر خليها عاليها واطيها … ولّعها لا تهتم، ع الغاصب المحتل” ويكمل خلفه الناس “كل المستوطنات … دمرها ، احرقها، أصوات التفجيرات للعالم سمعها … لا تسمع للجبناء، لا ترحم الأعداء… بيننا وبينهم الحرب”.
لا ينسى أهل مخيم خانيونس يوم تجمعوا في حفل تأبين الشهيدين جميل وادي وأحمد القدرة ورددوا خلف أبو رامي وأصوات الرصاص في الخلفية “بنتحداك رابين تظلك عنا، شيب وشبان وأجنة تنظمنا … هي هي هي … بنتحداك رابين تظلك عنا، ما نخليك تنام الليل والقسام يهد الحيل … والقسام في الميدان بيستناك وبنتحداك”. يقاطعه الجمهور بهتاف “تحية للكتائب عز الدين”.
لا يخفي زجال غزة تأثره بالثورة الأفغانية وتعطشه “لشيء إسمه إسلام” كما يقول، إذ كانت أناشيده إضافة إلى كونه خطيبًا وإمامًا في المسجد سببًا في إبعاده خارج فلسطين مع مبعدي مرج الزهور، (هم ٤١٥ ناشطاً إسلامياً فلسطينياً من الضفة الغربية وقطاع غزة قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإبعادهم إلى منطقة مرج الزهور في جنوب لبنان المحتل عام ١٩٩٢). فأنشد للمبعدين داخل الشاحنة في الطريق إلى لبنان وفور وصولهم إلى مرج الزهور أسس ورفاقه فرقة المبعدين وأصدروا ألبومي المبعدين الأول والثاني، حيث كان ينشد أبو رامي ويدق رفيقه عاطف ياسين على الجالونات من خلفه ليحيك إيقاعًا لأناشيد ساعدت بشكل كبير في شد أزرهم داخل مخيمهم.
يا ابن الكتائب لا تسلم السلاح، بهذه الأنشودة رد أبو رامي على من كان يدعو المقاومة لتسليم سلاحها في أواخر التسعينات، ويستذكر في حديثه مع معازف أنشودة أنشدها بعد استشهاد يحيى عياش كان يفترض فيها أن لا أحد سيرد على عملية اغتياله، فقال: “قالولي بيكفي كلام بيكفي طن طن زجل … ما عاد في قسام ما عاد في عمل … قلت الامل في الله ما هو في الرجال الهمل”.
وقد تسبب هذا المقطع الأخير باستدعائه من قبل السلطة الفلسطينية ليتم استجوابه بشأن عبارة “الرجال الهمل” فقد ظنوا أنه يقصدهم. فأجابهم بأنه لا ينبغي عليهم أخذ الكلمات بشكل شخصي وأن الشعب الفلسطيني مثله مثل بقية الشعوب فيه “الهامل والكامل”.
في عام ٢٠٠٠ وعندما طغت أحداث الانتفاضة الثانية المتسارعة على المشهد، وضمر حضور الفن الإسلامي تحت وطأة أخبار العمليات المتتالية. قرر ابو رامي الاعتزال والاهتمام بالدراسة حيث حصل على ماجستير في الجامعة الإسلامية ثم رسالة الدكتوراة من جامعة الجنان بلبنان في العلوم الإسلامية، ليعمل الآن موظفًا في الجامعة الإسلامية بغزة. وقال أنه لم يدرس علوم الموسيقى خوفًا من أن يساء فهمه من قبل المشايخ ويتعرض لانتقادات منهم، متمنيًا أن يكتب بحثًا عن الإخراج الفني بالقرآن الكريم.

