لم تُصدّق زوجة الأسير أحمد شمالي من مدينة غزة نفسها بقرب تحقيق مرادها بإنجاب أشقاء آخرين لابنيها عبيدة (17 عامًا) وعلي (15 عامًا) اللذين وضعتهما قبل اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي زوجها عام 2008.
وفور سماعها نبأ إنجاب عدد من الأسرى أطفال عبر نطفٍ مهربة من سجون الاحتلال، عادت الحياة لزهرة شباب رسمية شمالي (33 عامًا) التي ذُبلت وهي تنتظر مولودًا آخر يملأ أركان بيتها صراخًا محببًا تشتاق لصداه كل حين.
وبدأت الأم الصابرة تسارع خطاها لخوض غمار التجربة علّها تطفئ نار قلبها المشتعلة في رؤية مولودٍ جديدٍ طال انتظاره.
وبعد محاولاتها الثالثة في عملية زراعة الأجنّة منذ اعتقال زوجها أحمد عام 2008 وخلال متابعةٍ حثيثة على مدى شهور الحمل، حان ميعاد عملية ميلاد "رسمية" في شهر مايو الماضي التي جاءت مبكرة عند بلوغ شهر حملها السابع.
4 توائم
أبصرت رسمية النور بعد انتهاء عملية الولادة لتجد نفسها محاطة بأربعة توائم وليس واحدًا يلتفون حولها كحلقةٍ مزيّنة بمدادٍ من ذهب داخل مستشفى المقاصد في مدينة القدس المحتلة التي جرت به العملية بعد حصولها على تحويلةٍ طبية.
"راكان وريان وعبد الرحيم ونجاح" 3 ذكور وأنثى هم أسماء التوائم الأربعة الذين زينّوا حياة رسمية وزوجها الأسير أحمد الذي يقبع خلف القضبان ولم يعلم حينها ماذا خبأ الله عزوجل له من بشرى جميلة خارجها.
مشاعر من الفرح والسرور تعجز حروف اللغة عن وصفها فاضت من قلب الأم الصابرة للحظة احتضان توائمها الأربعة لتزيح عن صدرها سنواتٍ عجاف أثقلتها بالهموم وهي تنتظر مولودا جديدا بعد معاناةٍ لا حد لها.
وبعد الاطمئنان على صحة التوائم الأربعة الذين خضعوا لمراقبةٍ صحية مكثفة لمدة 40 يومًا داخل مستشفى المقاصد، حان وقت عودة سفراء الحرية الأربعة إلى مسقط رأسهم في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة.
ساعات من الاحتجاز والتحقيق خضعت لها "رسمية" على حاجز "بيت حانون" شمالي قطاع غزة في محاولةِ خائبة من سلطات الاحتلال للتنغيص عليها وإفساد فرحتها الغامرة بقرب وصولها إلى منزلها، قبل أن تحط رحالها في أكناف بيتها لتحظى هناك باستقبال كبير من قبل ولديها عبيدة وعلي، وأفراد عائلتها وكل المحبين الذين جاؤوا مباركين لها بهذه النعمة التي أكرمها الله عزوجل بها.
فرحة زوجها
وتصف رسمية بعد أن هدأ هدير المهنئين من حولها فرحة زوجها بسماع الخبر المنتظر، وتقول: "سعادة كبيرة غمرت زوجي أحمد في السجن، وشكر الله كثيرا على هذه النعمة، وأتمنى أن يخرج من السجن قريبا ليعانق أطفاله ويطفئ شوقه لهم برؤيتهم".
3 سنوات تفصل الأسير أحمد شمالي على انقضاء محكوميته في سجون الاحتلال البالغة 18 عامًا بعد اعتقاله عام 2008 قرب الحدود الشرقية لمدينة غزة.
ويعاني الأسير أحمد من ظروف صحية سيئة، ويشتكي من التهابات شديدة في المسالك البولية، ويصاب بنوبات متكررة من المغص الكلوي التي تداهمه من حين لآخر، نتيجة سياسة الإهمال الطبي المتعمّد التي تنتهجها سلطات الاحتلال.
ويُعدّ "أحمد" الأسير الأول الذي يُرزق بأربعة توائم في عملية واحدة، إذ رُزق من قبله ثلاثة أسرى بثلاثة توائم، وهم: رأفت القروي من رام الله، الذي تحرر بعد قضاء محكوميته (15 عاما)، والأسير بركة راجح طه من الخليل المحكوم بالسّجن (35 عاما)، والأسير إياد مهلوس من القدس المحكوم بالسّجن مدى الحياة.
119 سفيرًا
وتؤكد وزارة الأسرى وشؤون المحررين في غزة، أن عدد أطفال سفراء الحرية الذين أُنجبوا عبر نطفٍ مهربة من سجون الاحتلال بلغ 119 طفلا حتى هذه اللحظة.
ويقول الناطق باسم الوزارة منتصر الناعوق في حديثٍ لوكالة "الرأي" إن إنجاب الأسرى للأطفال وهم خلف السجون هي رسالة تحدٍ للاحتلال يجسد فيها الأسرى إصرارهم على الحياة، وتمسكهم بالأمل، متجاوزين بذلك كل العقبات والتحديات التي يضعها الاحتلال.
ويضيف الناعوق: "أن الاحتلال أراد إنهاء حياة الأسرى داخل السجون، وقطع نسلهم، ولكن الأسرى بطرقهم الإبداعية وعدم استسلامهم لإرادة الاحتلال صنعوا فرحة وأملا لهم ولذويهم، وعبّروا بطريقتهم الخاصة عن تطلعاتهم للحرية التي ينتظرونها".
رعاية واحتضان
ويشير إلى أن وزارة الأسرى تحتضن مشروع رعاية النطف المحررة، وتقوم بالتغطية المالية لتكاليف العمليات بالتنسيق مع الأسير وذويه من منطلق واجبها والتزامها برعاية شؤون الأسرى وذويهم ودعما لهذه الشريحة الصابرة من أبناء شعبنا.
وتمرّ عملية تهريب نطف الأسرى من داخل سجون الاحتلال بمراحل معقدة وفق شهادات لأسرى محررين، حيث يتم تهريبها من خلال أنابيب الدم والبول الموجودة بعيادات سجون الاحتلال أو من خلال أسير سيتم الإفراج عنه يتم اختياره بعناية ليكون محل ثقة بين الأسرى، وبعد ذلك يتم إبلاغ عائلتيّ الأسير وزوجته بموعد ومكان الإفراج عنه، ولا يقوم الأسير المحرر بالعودة إلى منزله قبل أن يقوم بتسليم العينة للشخص المحدد لاستقبالها من العائلتين.
أول حالة
وبحسب مؤسسات تُعنى بشؤون الأسرى، تم تسجيل أول حالة ناجحة لولادة طفل من نطف مهربة بـ 14 أغسطس عام 2012 تعود للأسير عمار الزِبن من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، والمعتقل منذ يناير/كانون الثاني 1998، ويقضي أحكاماً بالسجن المؤبد 26 مرة، إضافة لـ 25 عاماً بتهمة تنفيذ عمليات أسفرت عن مقتل عدد من المستوطنين.
ولا يزال عشرات الأسرى داخل سجون الاحتلال من ذوي الأحكام العالية يحذوهم الأمل ويحاولون يشتى الطرق تهريب نطفهم الشرعية إلى أرحام زوجاتهم، حتى يستمر التحدي وتزهر طريق الانتصار.

