بعد مضي ثلاثة عقود من الجهود البائسة في تحقيق سلام حقيقي وإنشاء دولة تُحرر الفلسطينيين من وطأة الاحتلال الإسرائيلي، يركز الشباب الفلسطيني اليوم على البحث عن فرص عمل بكل الطرق الممكنة سواء داخل أو خارج الأراضي الفلسطينية بحثاً عن خيارات الاستقرار الذي زعزعه اتفاق أوسلو.
صورة تذكارية التقطتها العدسات الصحفية في محافل واشنطن، صبغت ثلاثين عاماً بألوان متعددة من الأزمات والتحديات والعقوبات التي فُرضت على الواقع الفلسطيني مقابل "جرة قلم".
يومها عاد الرئيس الراحل ياسر عرفات في يوليو/تموز 1994 مع الآلاف من قواته العسكرية والأمنية للمرة الأولى إلى قطاع غزة ومدينة أريحا في الضفة الغربية المحتلة اللتين أقيمت عليهما مؤسسات السلطة الفلسطينية.
اليوم الفلسطيني في قطاع غزة يواجه عدد من التحديات الكبيرة التي خلفتها هذه الاتفاقية دون أُفق واضح للخروج منها، كأزمة الإسكان والكثافة السكانية، ونقص التيار الكهربائي ونقص المياه، والتي تفاقمت بشكل كبير جراء الحصار "الإسرائيلي" الذي فُرض على قطاع غزة منذ عام 2007.
أكذوبة المشاريع
أزمات اقتصادية زادت من عمقها "اتفاقية أوسلو" الموقعة عام 1993، أشار إلى ذلك رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية الفلسطينية، محمد أبو جياب، وقال خلال كلمة لها في ندوة نظمها مركز حوار أمس الاثنين: "إن واحدة من أبرز العوامل التي أثرت سلبًا على الاقتصاد الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو هي تصنيف الأراضي الفلسطينية والمناطق المحتلة كوحدة جمركية واحدة".
وأضاف أبو جيّاب أن أبرز الوعود الاقتصادية التي نصّت عليها أوسلو، هي ميناء غزة الذي لم يتم استكماله، والمطار الذي تم إنشاءه ثم قُصف بعد أعوام قليلة من تشغيله، إضافة إلى الكثير من المشاريع الاستراتيجية المتعلقة بإنتاج الطاقة والاستثمار والشركات القابضة والمشاريع الدولية الكبرى كالمدن الصناعية المشتركة التي لم يتم تطبيقها وفقاً لبروتوكول باريس الاقتصادي.
القيود العسكرية "الإسرائيلية" والمعابر المفروضة أثرت سلبًا على الحركة التجارية للفلسطينيين، وخلقت وضعًا اقتصاديًا تحدَّه مئات التهديدات، وأصبح الوضع الاقتصادي المتردي معلماً ثابتاً لحالة اقتصادية تعم الأراضي الفلسطينية، يوضح أبو جيّاب.
بينما أكد السياسي والمؤرخ الفلسطيني مصطفى البرغوثي على أن اتفاقية "أوسلو" تلخصت بأنها فكرة عبقرية لـ "إسرائيل"، لأنها ضمنت استمرار الاحتلال بموافقة فلسطينية دون إجبارها على دفع تكاليفه.
ثغرات أوسلو
أوسلو هي المصيدةَ التي وقعنا بها نحن الفلسطينيين، ووظفتْها (إسرائيل) لخدمة مصالحها، وحولتْ الاتفاق إلى مجرد صورة تذكارية لحلم بات مستحيلًا؛ ذلك أن اتفاقية أوسلو كان فيها العديد من الثغرات التي لم يولِ الفلسطينيون لها بالاً بحسب وائل المبحوح مدير مركز حوار للدراسات يُعرف الاتفاقية.
وكشف "المبحوح" بمساهمة الباحثين والكتاب عدداً من الثغرات التي تخللت الاتفاقية ضمن جلسة حوارية عُقدت في الذكرى الـ 30 لتوقيع أوسلو، وأما "الثغرةُ الأولى" فهي القبول الفلسطيني بالاعتراف بـ(إسرائيل) دون أن تعترفَ الأخيرةُ بحقنا في دولة، منوهاً إلى أن المنظمة اكتفت باعتراف "إسرائيل" بالمنظمة ممثلًا شرعيًا للشعب؛ وهذا أمر لم يكن كافيًا.
وذكر المبحوح الثغرة الثانية أنها تمثلت في أن الاتفاقيةَ أظهرتْ أننا مهتمّون بالأراضي المحتلّة فقط على حسابِ فلسطينيي الـ48 أو في الشّتات؛ الأمر الذي أدّى إلى تشتيت الحالة الفلسطينية.
بينما كانت الثغرة الثالثة مرتبطة بعدم اشتراط الفلسطينيين "وقفَ الاستيطان شرطًا أساسيًا ومبدئيًا لقبول هذه الاتفاقية"؛ وأضاف "هذا أفقدَنا استمرار (إسرائيل) في الاستيطانِ القدرةَ على المُبادرة، وتوحيد الشعبِ حول برنامج نضالي".
تحولات اجتماعية واقتصادية
ونص الاتفاق على أن هدف المفاوضات "الإسرائيلية الفلسطينية" من بين أمور أخرى، إقامة سلطة حكم ذاتي انتقالية فلسطينية، وعلى مواصلة التفاوض في مسائل رئيسية أخرى.
الكاتب والمحلل السياسي عوض عبد الفتاح من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، يقول: "لعبت الأموال، في ربط السلطة واقتصادها التابع والمشوه بالنظام النيوليبرالي، وفي توفير الراحة للاحتلال ليمارس القمع والتوسع والسرقة، والحصار بتكلفة بسيطة"، مشيراً إلى أنه قد نتج عن ذلك تحولات اجتماعية واقتصادية ومعنوية عميقة، عززت الفقر من جهة، ونمّت طبقة وسطى تمتلك القدرة على الاستهلاك.
بينما شاركت الصحفية إيمان الشنطي رأيها حول ذكرى الاتفاقية، بقولها:" بدأ الاتفاق بمعالجة القضايا الأسهل وتأجيل القضايا الأكثر صعوبة ومن ثم تم استبعاد جميع القضايا الصعبة من المناقشة، كالقدس واللاجئين الفلسطينيين والحدود".
"إسرائيل" شنت أربعة حروب دامية على قطاع غزة منذ نهاية 2008 استشهد على إثرها الآلاف من أهالي القطاع، الذين يقدر عددهم بنحو 2,3 مليون نسمة، ويعيشون تحت وطأة حصار خانق تفرضه عليهم "إسرائيل" براً وبحراً وجواً، تخللها مئات العدوانات المتفرقة.
الاقتصاد الفلسطيني تحكمه قرارات الاحتلال الإسرائيلي بصفته قوة احتلال بموجب اتفاقية أوسلو وتوابعها، مما يؤثر على جميع جوانب الحياة الفلسطينية، ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه مفتوحًا: هل تتوفر للساسة الفلسطينيين خيارات بديلة للخروج من هذا الوضع الذي يؤدي إلى تدهور الحالة الاقتصادية والأمنية للمواطن الفلسطيني؟ أم سنبقى في هذه الدائرة التي لا يستفيد منها سوى الاحتلال "الإسرائيلي".

