يداوم المسن أشرف أبو عمار منذ أكثر من ثماني سنوات على الجلوس أمام آلة "الكلى الصناعية" بعد فشل كليته في أداء مهامها الطبيعية، لكن خللاً واحداً كفيل بإيقاف حياته عن الاستمرار، بفعل عطل في الآلة الصناعية ونقص المعدات اللازمة لإتمام عملية الغسيل.
ملامح الإعياء الشديد بدت واضحة على وجه المريض أبو عمار، بينما تواصل الآلة الصناعية ضخها واستقبلها للدم الوسيط بين وريده وبين آلة غسيل الكلى، نتيجة نفاذ هرمون "إريثروبيوتين" المستخدم في علاج فقر الدم الناجم عن أمراض الكلى المزمنة.
يناوب مريض الفشل الكلوي أبو عمار ثلاث مرات أسبوعياً على الأقل، بحدود 4 ساعات خلال الجلسة الواحدة لإتمام مهمة غسله لأوردته، بينما يؤرقه النقص الحاصل في الأدوية العلاجية وبعض المستهلكات الطبية، وخاصة ما يعرف بـ"خط الوريد المركزي (Perm Cath)"، وهو بمثابة الوسيط بين جسم المريض وجهاز الغسيل الكلوي، حسب وصفه لـ"الرأي".
القلق والخوف انتاب قلب المريضة الأربعينية "حنان نور"، وقتما أعلنت وزارة الصحة عن كارثة صحية يمكن أن تحل على مرضى الفشل الكلوي، في حال عدم توفر الأدوية اللازمة لعلاجهم، فهي تحتاج وأمثالها المرضى إلى 4 آلاف وحدة من هرمون إريثروبيوتين في جلسة الغسيل الواحدة، وبمعدل 12 ألف وحدة أسبوعياً.
تقول المريضة "نور" لـ"الرأي" إن الهرمون متوفر في الصيدليات الخارجية، ولكنه مكلف مالياً ولا يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة لغالبية المرضى، فالجلسة الواحدة تكلف حوالي 65 شيكلاً.
يهدد حياتهم
وزارة الصحة أطلقت تحذيراً أولياً، لكافة الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها أمام إنقاذ حياة مرضى الفشل الكلوي جراء النقص الحاد في المستهلكات الطبية اللازمة لجلسات غسيل الكلى، مما يشكل خطراً على حياة 1100 مريض بالفشل الكلوي منهم 38 طفلاً، فيحتاج كل منهم 3 جلسات غسيل كلوي أسبوعياً لإخراج السموم من أجسادهم الهشة لإبقائهم على قيد الحياة.
مدير عام الصيدلة في وزارة الصحة أشرف أبو مهدي، قال إن وزارة الصحة أطلقت تحذيرها العاجل بناءً على حالة العجز الدوائي الشديد الموجود في مستودعاتها، والذي أثر على كافة الأقسام العلاجية سلباً، فكان العجز الأخطر على مرضى الفشل الكلوي وأصحاب زراعة الكلى.
أبو مهدي أوضح أن حجم ما يصل من دعم في مصادر الدواء المختلفة لوزارة الصحة لا يلبي الاحتياج المتصاعد والمتزايد من المرضى، منوهاً إلى حاجة وزارة الصحة إلى 45 مليون دولار سنوياً لتوفير الحزمة الأساسية من الادوية والمستلزمات الطبية.
وأكد أبو مهدي على ضرورة مساندة الشعب الفلسطيني في ظل فرض كل أساليب الحصار عليهم دون ذرائع، مشيراً إلى أن أكثر المتأثرين من أضرار الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من ثمانية عشر عاماً هم فئة المرضى، خاصة أصحاب المرض الخطر.
حصار صحي
مدير دائرة صيدلة المستشفيات بالوزارة علاء حلس من جهته قال في تصريح خاص لوكالة "الرأي" إن نفاد المستهلكات يّعرّض حياة مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة لخطر حقيقي، محذراً من توقف مراكز غسيل مرضى الكلى عن تقديم خدماتها خلال أيام معدودة في كافة مستشفيات قطاع غزة التي تقدم ما يزيد عن 13 ألف جلسة غسيل للمرضى شهريًا.
حلس أوضح، أن هناك وعودات من بعض الجهات الدولية بتوفير تلك المستهلكات لكنها لم ترقى للمستوى المطلوب حتى اللحظة، معربًا عن أمله بانتهاء الأزمة خلال الساعات القادمة.
وبحسب الطبيب حلس، فإن الكثير من المرضى المقرر إجراء عمليات زراعة الكلى لهم، ستتهدد عملياتهم بالفشل إذا تم استبدال الهرمون بإضافة وحدات دم جديدة، حيث من المحتمل أن يشكّل جسم المريض أجساماً مضادة لوحدات الدم تهاجم الكِلية المزروعة وتؤدي إلى فشلها، وينطوي ذلك على مخاطر حقيقية على حياة المرضى.
والجدير بالذكر أن القطاع الصحي في غزة بالأساس يعاني من نقص حاد بنسبة 40% في الأدوية الأساسية عموماً، إضافة إلى نقص في المعدات والمستهلكات الطبية، في الوقت نفسه تتعمد سلطات الاحتلال عرقلة وصول الكثير من الاحتياجات الطبية، وأهمها الأجهزة، وتمنع شراء أي جهاز أو إصلاحه خارج القطاع وهي بحاجة إلى تنسيق وإجراءات معقدة تستغرق عدة أشهر.

