تحت لهيب الصيف الحارق وبين الأشواك، يسلك مزارعو فاكهة "الصبر" (التين الشوكي) في قطاع غزة طريقًا شاقًا يحمل من الصبر والجلد ما يشبه ثمرتهم تمامًا؛ ثمرة تختصر بصلابتها ظروف عيشهم القاسية التي أجبرتهم على انتظار هذا الموسم من عام لآخر لتدبير قوت يومهم.
مع ساعات الصباح الباكر، يبدأ المزارعون قطف الثمار، لتبدأ بعدها مرحلة "التشويح" التقليدية عبر تقليب أغصان الأشجار على الثمار لإزالة الأشواك، تمهيدًا لتعبئتها ونقلها إلى الأسواق المحلية.
ثمار عضوية وشعبية واسعة
وشهدت السنوات الماضية تحولاً نحو زراعة الصبر بشكل منظم في مزارع غزة، تدفعه الفوائد الصحية الكبيرة للثمرة والإقبال الشعبي الواسع عليها خلال الصيف. وتتميز هذه الزراعة بكونها زراعة عضوية بالكامل لا تحتاج إلى مخصبات كيماوية أو كميات ري كبيرة، فضلًا عن استخدامها التاريخي في حماية الأراضي وتحديد ملكيتها.
وكانت المساحات المزروعة بالصبر قبل الحرب تقدر بـ 500 دونم مثمر، بإنتاج سنوي يصل إلى 1000 طن يُستهلك بالكامل في السوق المحلي.
حرب الإبادة.. تجريف 90% من المساحات
ولم تسلم هذه الثمرة الصامدة من آلة الحرب؛ إذ تسبب العدوان في تدمير ومسح أكثر من 90% من أشجار الصبر في القطاع، ولم يتبقَ منها سوى مساحات ضئيلة جدًا.
ويأتي ذلك في إطار كارثة شاملة طالت قطاع البستنة الشجرية في غزة، حيث تكبد المزارعون خسائر جسيمة تمثلت في:
تجريف المساحات: تجريف 85,224 دونمًا من البساتين الشجرية من أصل 99,098 دونمًا كانت منتجة قبل الحرب، بنسبة دمار بلغت 86%.
اقتلاع الأشجار: اقتلاع وتجريف أكثر من 2.77 مليون شجرة مثمرة (شملت الزيتون والحمضيات والفواكه).
خسائر الإنتاج: توقف إنتاج زراعي يقدّر بـ 111,220 طنًا من المحاصيل الشجرية.
هذا الدمار الممنهج للبنية التحتية الزراعية حرم آلاف الأسر الفلسطينية من مصادر دخلها الوحيدة، وعمّق من أزمة الأمن الغذائي في القطاع، ليصبح جني ثمار "الصبر" هذا العام رمزيًا أكثر من أي وقت مضى؛ صمودٌ وسط الأشواك والركام.

