يجلس الطفل كنان أبو جبة داخل خيمة مهترئة في مدينة غزة، ممسكًا بدفتر ملاحظاته ومحاولًا الكتابة من جديد، بعدما غيّرت غارة إسرائيلية استهدفت منزل عائلته في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، مسار حياته بالكامل.
كنان هو الناجي الوحيد من أسرته؛ فقد والده ووالدته وشقيقاته في الغارة، ولم يتبقَّ له من أثرهم سوى الذكريات، ومن جسده الغض سوى يدٍ واحدة بعد أن تسببت الإصابة العنيفة في بتر يده اليسرى؛ في انتهاك صارخ لأبسط قواعد حماية المدنيين والأطفال التي كفلتها المواثيق الدولية في زمن النزاعات.
ويعيش اليوم برعاية جدته، مستخدماً طرفًا صناعيًا يساعده على أداء بعض مهامه اليومية في محاولة شاقة لاستعادة جزء من حياته التي سُلبت في لحظة واحدة.
وفي صورة التقطت له يوم 21 سبتمبر/أيلول 2026، يظهر كنان منكبًا على الكتابة داخل خيمته، في مشهد إنساني ناطق يجمع بين قسوة آثار الإصابة وصمود طفل يرفض الاستسلام، متشبثاً بأمله في الحياة ورغبته الصادقة في التعلم رغم فقدان أسرته والمنزل واليد التي اعتاد أن يكتب بها.
العودة إلى الدراسة.. تحدي القهر والدمار
مع انطلاق العام الدراسي الجديد (2026-2027) صباح السبت الماضي واستئناف التعليم الوجاهي بعد انقطاع قسري دام نحو ثلاث سنوات كاملة بفعل الدمار الشامل الذي طال المؤسسات التعليمية منذ أكتوبر 2023، يحمل كنان دفتره وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة.
يصّر الطفل على الذهاب للمدرسة رغماً عن ألم الفقد ووحشة اليتم والنزوح؛ حيث يعيش آلاف الأطفال بين الخيام ومراكز الإيواء، لتتحول الدراسة بالنسبة لكثير منهم إلى محاولة بطولية لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية، مترجمين حق الطفل الأصيل في التعليم والنمو السليم إلى واقع حيّ يتحدى قهر الظروف.
أزمة صحية وإنسانية ملحة
لكن رحلة كنان العلمية تصطدم بعقبة إنسانية وصحية ملحة؛ فالطفل ينمو ويكبر يوماً بعد يوم، بينما بقي طرفه الصناعي القديم على حاله، ليمسي ضيقاً يضغط على جسده ويؤلمه مع كل حركة. إن هذا الواقع يسلط الضوء على الحق الأساسي في الرعاية الصحية والتأهيل الطبي، وضرورة تمكين الأطفال ذوي الإعاقة من الاندماج والاعتماد على أنفسهم بكرامة. يحتاج كنان بشكل عاجل إلى يد صناعية جديدة تناسب مقاسات نموه المستمر، لتخفف عنه وجع الاحتكاك وتسانده في مواصلة حلمه، لتبقى كفه الصغيرة تخط طريق الأمل بثبات وعزيمة لا تلين.
أرقام تفضح المأساة
وتعكس قصة كنان مأساة أوسع وأعمق يشهدها القطاع، إذ تشير بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة إلى أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة يتجاوز 42,000 شخص، يمثل الأطفال 25% منهم. ويتضمن هذا الرقم نحو 10,000 حالة إعاقة، نصفها من الأطفال، حيث أفرزت حرب الإبادة إعاقات دائمة لنحو 25% من الحالات، وتجاوزت عمليات البتر 6,000 حالة؛ وهو ما يتناقض بوضوح مع الالتزامات الدولية المفروضة لحماية الطفولة وصون سلامتها الجسدية والنفسية.
وفي السياق ذاته، أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة ("يونيسف") عبر مديرتها العامة كاثرين راسل أن نحو 1000 طفل بترت أطرافهم من دون تخدير أو مستلزمات طبية أساسية، معتبرة أن قطاع غزة يعد "أخطر مكان في العالم بالنسبة للأطفال"، وأن آثار العنف ضدهم كارثية وعشوائية. من جانبها، لفتت منظمة الصحة العالمية، على لسان مديرها العام تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إلى أن عمليات البتر باتت شائعة، محذرة من أن "كثيرين لن تكتب لهم النجاة بينما هم ينتظرون دورهم لتلقي الرعاية الصحية اللازمة"؛ الأمر الذي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الإنسانية والأخلاقية لضمان حق العلاج والتأهيل لكل متضرر.
إرادة لا تكسرها الحروب
رغم كل ذلك، انطلق العام الدراسي الجديد بعد إعلان وزارة التربية والتعليم العالي استكمال الترتيبات وتقييم الواقع التعليمي عبر مسارات متعددة تراعي ظروف الطلبة. وفي خضم هذه التحديات، تبقى كف كنان الصغيرة دليلاً حياً على إرادة الحياة، وتذكيراً صامتاً بأن حقه في التعلم، والصحة، والعيش الكريم هي حقوق أصيلة لا تسقط بالتقادم ولا تكسرها حروب الإبادة.

