في ظل ظروف قاهرة غير مسبوقة تفرضها حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة، يخوض الميدان التعليمي بكافة أركانه معركة بقاء يومية؛ فلم تعد عملية الوصول إلى مقاعد الدراسة مجرد رحلة ذهاب وإياب عادية، بل تحوّلت إلى مكابدة شاقة مليئة بالمخاطر والمعاناة التي تستنزف أجساد الطلبة وتستهلك طاقات المعلمين، مستهدفة حقهم الأساسي في التعليم والعيش بكرامة.
المعلم الفلسطيني: كفاح يومي وقتل صامت للتعليم
يقف المعلم الفلسطيني في طليعة الفئات التي تكافح لتأدية رسالتها رغم قساوة الواقع. تقول المعلمة آلاء عبد ربه من مدرسة مسقط الثانوية للبنات: "لا يخفى على أحد ما يعانيه أبناء شعبنا في ظل هذه الظروف القاهرة، والمعلم الفلسطيني من أهم الفئات التي تكافح وتكابد للوصول إلى المدرسة مواجهةً أعتى الصعوبات".
وتضيف عبد ربه توضيحاً للواقع الميداني: "مما يزيد الأمر صعوبة انعدام وسائل النقل، فيضطر المعلم للمشي مسافات طويلة، أو استخدام وسائل بديلة فرضتها الحرب كـ (العربات المجرورة أو التكتك) التي كثيراً ما تتعطل، ما يؤدي لتأخر المعلم عن حجرته الدراسية وتأثر العملية التعليمية برمتها. حقيقة، نستطيع القول إن هناك عملية قتل بطيء وصامت ممنهج بفعل حرب الإبادة، يتأثر بها المعلم والتعليم على حد سواء".
وفي السياق ذاته، يؤكد المعلم حمدان الملاحي حجم المشقة التي تعترض الكادر التعليمي قائلاً: "نعاني أشد المعاناة للوصول إلى المدرسة، حيث نقطع مسافات طويلة للغاية في ظل غياب تام للمواصلات".
الطلبة بين رحلات النزوح ومخاطر الطرقات
وتتسع دائرة المعاناة لتطال الطلبة النازحين الذين أُجبروا على ترك منازلهم والتنقل بين مناطق القطاع، ليصبح الوصول إلى المدرسة عائقاً أمنياً ولوجستياً مركباً.
تتحدث الطالبة منة الله الوحيدي، النازحة من شمال غزة إلى وسط القطاع، عن مشقة الوصول لمدرستها قائلة: "نعاني كثيراً لنصل إلى المدرسة بسبب انعدام المواصلات، فضلاً عن اضطرارنا أحياناً لتغيير مساراتنا خوفاً من استهدافات إطلاق النار، ما يجعل الطريق طويلة وجسيمة المخاطر. نحن كطلاب نطالب بوقف معاناتنا وتوفير بيئة آمنة تمكننا من التعلم".
أما الطالبة ملك أبو جلالة، النازحة من جباليا والساكنة في غرب الزوايدة، فتصف رحلتها اليومية نحو مدرستها شرق النصيرات: "أقطع مسافة شاسعة مشياً على الأقدام لعدم توفر المواصلات أو الوقود، وحتى إن توفرت في أحيان نادرة، فإن أزمة انعدام السيولة والنقد الورقي تضاعف المعاناة وتزيد صعوبة الطريق".
الإنهاك النفسي والجسدي.. جدول يومي يسبق الدراسة
وقبل أن يفتح الطالب كراسته أو يستمع لشرح معلمة، تكون طاقته الجسدية والنفسية قد استُنزفت بالكامل في تدبير متطلبات العيش الأساسية تحت الحرب.
يلخص الطالب معاذ البنا هذا الواقع المؤلم بكلمات مكثفة: "حياتنا عبارة عن قتل بطيء وموت بطيء بسبب حرب الإبادة المستمرة على غزة".
من جانبه، يستعرض الطالب محمد ياغي تفاصيل يومه القاسي الذي يسبق الحصة الدراسية: "نستيقظ في الصباح الباكر لنبدأ رحلة البحث عن مياه الشرب، ثم البحث عن الخبز، وإشعال الحطب، والوقوف في طوابير 'التكية' للحصول على وجبة طعام. وفي وسط هذا الزحام من المعاناة نصل إلى المدرسة متأخرين ومنهكي القوى، فلا نستطيع التركيز في الدروس، ولا نجد وقتاً ولا طاقة لمراجعة استذكارنا في البيت".
رغم كل ذلك، يظل التعليم في غزة صامداً بإرادة معلميه وصمود طلابه، مستغيثاً وسط ظروف تجعل من مجرد البقاء واستكمال الدراسة استنزافاً طويلاً لأجساد وأرواح جيل كامل، في ظل استمرار القتل الصامت وغير المباشر الذي يهدد مستقبل العملية التعليمية برمتها.

