غزة - المكتب الإعلامي الحكومي:
تتزاحم الشكاوى والقضايا داخل مجمع غزة للمحاكم ، وتزداد الملفات المطروحة على طاولة القضاء للنظر بها, في ظل قلة عدد القضاة عقب الاستنكاف الذي طال المحاكم نهاية عام 2007 ، ولا يزال الحصار يحول دون توسيع المحاكم وابتعاث قضاة للخارج .
المستشار عبد الرؤوف الحلبي رئيس مجلس القضاء الأعلى استعرض في لقاء مع "الرسالة" أبرز ظروف وملامح عمل المحاكم وقطاع القضاء في غزة .
تشكيل المحاكم
يعاني قطاع القضاء من قلة عدد الموظفين - كما يقول الحلبي - حيث شكل استنكاف القضاة عن عملهم معضلة كان لا بد من تجاوزها ، وأضاف: " عدد الموظفين هذه الأيام يتجاوز المائة وخمسين موظفا ، لكن الضغط الكبير أمام القضايا الجديدة أو تنفيذ الأحكام السابقة، وضعنا في مأزق قلة عدد الموظفين".
ولفت الحلبي الى أن الحكومة لا تألوا جهدا في دعم مرفق القضاء وذلك لما يقدمه من خدمات للمواطنين ، لكن ظروف الحصار تحول دون تنفيذ بعض المشاريع كتوسيع بنايات المحاكم .
وردا على شكاوى بعض المحامين من قلة خبرة القضاة رأى الحلبي أن الحديث عن الخبرة يجب أن يكون مرهونا بالظروف التي استأنف عمله بها القضاء ، مشيرا الى أنه بعد استنكاف القضاة السابقين في أواخر العام 2007 كان لا بد من أن يبقى مرفق القضاء مفتوحا ، وقال " عينا قضاة تجاوزا المسابقة ، وبعد ذلك أعلنا في الصحف عن مسابقات بتعيينات جديدة وأبلغنا نقابة المحامين بذلك ، وفتحنا الباب لمن يجد بنفسه الكفاءة وفق الشروط الموضوعة".
لكن بعض المحامين ونقابتهم اتخذوا موقفا مضادا للإعلان وامتنعوا عن المشاركة في المسابقة ، رغم أن في ذلك مصلحة وطنية لسد الفراغ القضائي, كما يقول الحلبي.
وأكد على انتقائهم لصفوة المتقدمين للمسابقة , وفقا لمعايير المصداقية والأمانة ونظافة اليد ، الى جانب الخبرة في عمل المحاماة.
ويقر الحلبي بأن مهنة القضاء ليست مطابقة للمحاماة وان كانت تدور في فلكها ، ولذلك واجه القضاة الجدد صعوبات في بداية الأمر إلا أنهم سرعان ما تأقلموا مع مهنتهم.
وبحسب الحلبي فان خبرة القضاة تتزايد بشكل سريع , في ظل زحمة القضايا واجتهادهم في تحمل المسئولية على كواهلهم ، وقد نجحوا في ذلك .
واستدرك رئيس مجلس القضاء بالقول: " نتحدث عن قاضي عمره المهني عامين ، بخلاف السابقين أصحاب الخبرة الطويلة التي زادت خبرتهم في بعض الأحيان عن ثلاثين عاما".
كثرة القضايا
ولم يستثن الحصار قطاع القضاء الذي تضرر - كما يعتقد الحلبي - بحرمانه من إبتعاث القضاة للخارج من أجل اكتساب الخبرة القانونية والمعرفة من خلال المتخصصين في ذات المجال .
وأضاف المستشار الحلبي: "حرمنا من جلب الخبرات ، لكننا لم نقف مكتوفي الأيدي فاعتمدنا على أنفسنا والإمكانيات المتاحة وعقدنا جلسات عمل داخلية، كما حرصنا على عقد جلسة شهرية يجتمع خلالها القضاة ويتشاورون بالقضايا الشائكة التي تواجههم ، وكيفية العمل على حلها ".
ونفى الحلبي اتهامات بعض المحامين عن أن المسابقات التي ينظمها مجلس القضاء لا تعدو كونها شكلية ، مشددا على أن ذلك الاتهام عار عن الصحة ، وتابع: " أرشيف الإعلانات والطلبات التي قدمت من المحامين موجودة لدينا ، لكن من لم يتقدم للوظائف بناء على موقفه الرافض من المشاركة في المنظومة القضائية، أخذ بإثارة القلاقل ".
ويشير رئيس مجلس القضاء الى أن التعيينات تتم بناء على إعلانات ومسابقات نزيهة ، لكنهم مؤخرا استوعبوا خمسة وكلاء نيابة للعمل بالقضاء نتيجة الظروف والأحوال الصعبة ، موضحا أن إجراءات نقلهم جاءت بطرق صحيحة ، واخذوا قسطا من التدريب على العمل القضائي وسيباشرون مهامهم خلال الأيام القليلة.
ويعزو الحلبي طوال الفترة التي تتخذها القضايا حتى الوصول لحكم نهائي الى تزايد القضايا الجديدة وعودة متابعة المواطنين للقضايا القديمة التي كانت مركونة، الى جانب متابعة الأحكام التي صدرت ولم تنفذ في السابق نتيجة الفلتان الذي كان مستشريا ، وأضاف" كل ذلك يعود الى تمتع القضاء بثقة المواطن ، وبالتالي بدأت تتسع المدة بين الجلسة والأخرى الى أن وصلت لأكثر من شهر".
ويرى الحلبي أن ذلك الأمر طبيعيا فكلما زاد الضغط على المحاكم لن يتمكن القاضي من تحديد جلسة قريبة.
ونوه الى أن المدة بين الجلسة والأخرى للقضايا المتداولة في السابق قبل استنكاف القضاة كانت تستغرق بين أسبوع وعشرة أيام فقط ، وبات الأمر مختلفا هذه الأيام حيث تعج دائرة التنفيذ بالمواطنين الذين عادوا للمطالبة بحقوقهم.
ويرجع الحلبي الفجوة الزمنية بين القرار وتنفيذه الى الضغط الكبير على دائرة التنفيذ ، لكنه لم يخف سعيهم مع الحكومة والمجلس التشريعي والجهات المختصة ووزارة العدل للتغلب على تلك المسألة بقدر المستطاع ".
قدم القوانين
ويأخذ القائمون على مرفق القضاء على عاتقهم تنقية أجواء المجتمع من كل أشكال الفساد ، وبحسب الحلبي فان قضايا المخدرات من أكثر الجرائم التي تواجه المجتمعات، ويتعاملون معها بحذر، لكن في ظل غياب الإجراءات الصحيحة والبيانات التي من الممكن أن تدين المتهمين يصدر القاضي وفقا لقناعاته القانونية وما عرض عليه من قبل النيابة قرارا إما بالإبقاء على المتهم موقوفا أو الإفراج عنه بكفالة على أن يستدعى وقتما تستوجب القضية .
وتأتي أقوال الحلبي ردا على الإفراج عن بعض المتهمين بعد إلقاء القبض عليهم بوقت قصير ، لكنه أضاف: " إن لم تقتنع النيابة بالقرار فلها الحق أن تستأنفه بمحكمة أعلى لتنظر به، ونحن سنحارب الفساد ونسير على النهج الذي تتبناه الحكومة والأجهزة الأمنية لمحاربة الفساد".
ويقر المستشار الحلبي بوجود عدد من القوانين قديمة الصياغة منها ما يصلح للعمل به هذه الايام ، وأخرى بحاجة لتعديل بما يتناسب مع المرحلة ، وقد يصل الأمر لالغاء بعضها وتشريع قوانين بديلة .
ويعتقد الحلبي أن ذلك الأمر يعود للمجلس التشريعي صاحب الصلاحية في إعادة تقييم القوانين المعمول بها ، مشيرا الى أن السلطة التشريعية ترجع بالمشورة وتبادل وجهات النظر مع الجهات المعنية بالقوانين سواء بالمجال الزراعي أو الاقتصادي أو القانوني.
ويتابع الحلبي: " هناك تواصل بين المجلس التشريعي وكامل المؤسسات لتشريع قوانين تتلاءم مع أوضاعنا" .
ويشدد على أن الواقع يشير الى ثقة المجتمع بالقضاء بشهادة الجميع ، والدليل تزايد
نسبة الملتجئين للقضاء، ويضيف الحلبي" من كان له حق بآلاف الدنانير بالفترة السابقة التي شهدت انفلاتا، كان لا يحبذ اللجوء للقضاء لأنه متيقن أنه في حال حصوله على حكم فلن ينفذ، وبالتالي يوفر على نفسه الوقت والجهد وحرصه على حياته ، أما الآن فنتيجة الثقة والطمأنينة أصبح المواطنون يلجئون للقضاء لتحصيل حتى مبالغ قليلة، وهذا يعني أن هناك ثقة كاملة بالحصول على حقوقهم " .
وثمن الحلبي دور لجان الإصلاح ورابطة علماء فلسطين الذي وصفه بالمرموق، لأنه يخفف عن القضاء ، وقال " لولا تلك اللجان لكان الضغط على المحاكم أضعافا مضاعفة، فهم
قضاة مثلنا ويؤدون عملا وطنيا ويحققون نتائج طيبة ويعيدون الحق لأصحابه".
أرشفة القضايا
حرص مجلس القضاء الأعلى منذ تولي مهامه نهاية العام 2007 على أرشفة الملفات كافة في محاولة لتسهيل عملية التواصل ما بين الموظف والمواطن ، وقال الحلبي: " ما قبل تلك الفترة لا نتحمل وزرها، لكن الملفات التي فقدت في السابق قليلة وتمكنا من العثور على بعضها"
ويشير الى أنه في حالة الفقدان الكامل للملفات يجوز إعادة تكوين الملف من خلال محاضر الضبط الموجودة مع الأطراف.
وطالب رئيس مجلس القضاء بضرورة احتفاظ المواطنين والمحامين بصورة طبق الأصل من ملفاتهم الموجودة بالمحكمة مجانا وذلك لحفظ حقوقهم من الاعتداءات الإسرائيلية بقصف وتدمير المنشآت العامة.
وأضاف الحلبي: " شرعنا بأرشفة الملفات القديمة والحديثة ، مع أنه كان يجب أن تكون الملفات مؤرشفة منذ زمن طويل".
ونفى الحلبي وجود أية تدخل سياسي في القضاء ، ورأى أن قرارات العفو التي يصدرها رئيس الوزراء بحق متهمين من وقت لآخر تعد خاصة ويجيز القانون له ذلك ، مشيرا الى أن هذا العفو متبع في العديد من الدول ولا غضاضة به، ولا يؤثر على عمل القضاء.
وفيما يتعلق بإمكانية إنشاء محاكم شعبية في حالة الطوارئ ، لاسيما بعد الحرب على القطاع أكد الحلبي على أن المواطنين التزموا خلال الحرب بالأصول والأخلاق الفلسطينية وحافظوا على المصالح ، بدليل عدم تسجيل حالات إجرامية خلال فترة العدوان.
ويعتقد الحلبي وجود استقلال بين القضاء والسلطتين التنفيذية والتشريعية ، لكن هذا الاستقلال مرتبط بضرورة التعاون والتنسيق بتبادل الآراء في كثير من الأمور لتحقيق مصلحة المواطن.
ويقول: " الاستقلال لا يعني الانفصال ، وإنما استقلال بما يقتضيه حاجة العمل ، لكن التنسيق قائم بيننا وبين وزارة العدل".
وبحسب الحلبي فان وزير العدل له واجب تجاه السلطة القضائية ويجري التواصل معه دائما ، كما أن النيابة العامة جزء من السلطة القضائية، والنائب العام عضو في المجلس الأعلى للقضاء ، وهناك تعاون وتنسيق متواصل.
وفي نهاية حديثه أكد الحلبي أنهم لم يصلوا لحد الكمال ، لكن القضاة والعاملين يبذلون كل ما بوسعهم لتطوير أنفسهم بكافة الإمكانيات المتاحة.

