اسرائيل اليوم - بقلم: البروفيسور ابراهام بن تسفي
(المضمون: يجب ان يتذكر اوباما ان تاريخ حركة طالبان في افغانستان، وحروب غير تناسبية مشابهة، يشير الى ان الضربة العسكرية لا تنشىء اعتدالا سياسيا بالضرورة).
في هذه المرحلة الاولى من العملية العسكرية الواسعة التي تقوم بها قوات حلف شمال الاطلسي في مدينة مرجة في اقليم هلمند في افغانستان، ما زال لا يمكن تحديد هل يلائم تعريف "مسيرة الحماقة" هذه العملية. ان ما يتبين مع ذلك كله من تصريحات صاغتها ومدبريها الامريكيين هو حقيقة ان الحديث عن مسيرة السذاجة والاوهام.
يبدو انه قد غاب عن التفكير الاستراتيجي لوزارة الدفاع الامريكية تماما رواسب حرب فيتنام ودروسها (بل حروب أخر تمت بقوة أقل وفي ضمنها الجبهة الافغانية). كانت تلك حروبا يفترض ان تسم وعي الامريكيين بالخطوط الهيكلية الخاصة لميدان القتال غير التناسبي هذا.
الفرض الاساسي الذي كانت في مركز هذا التفكير هو ان الضربة التي ستقع بقوات طالبان في المنطقة ستنشىء طرازا لينا مهادنا خاضعا لهذه الحركة. ازاء الضربة الشديدة التي قد تتلقاها البنية التحتية العملياتية والتنظيمية لطالبان، ستمهد الطريق الى ضم الحركة – عن موقف ضعف – كشريكة في الادارة في كابول. بحسب هذه المنطق، سيمكن الولايات المتحدة بذلك ان تعزل عدوها الكبير في المنطقة الافغانية أي قوات القاعدة.
وهكذا بتأليف تحالف غالب بين ادارة الرئيس كرزاي وبين حركة طالبان، المغروسة عميقا في المستويات المختلفة للمجتمع الافغاني، ستحرز الولايات المتحدة مطلوبها. بعبارة اخرى: خرجت القوات الامريكية في الحقيقة لمهمتها لتقديم الحرب على القاعدة، لكن لما كان هذا العدو متملصا خفيا – فتحت جبهة جديدة في مواجهة طالبان. يرى التفكير الامريكي ان حركة طالبان قد يجري عليها تحول او تناسخ بعد ان تقفها معركة المرجة في مكانها وتبين لها حدود القوة والتأثير.
مع كل السحر الاولي لهذا المنطق الجدلي، الحديث عن محاولة امريكية ساذجة لان تغرس في داخل الواقع ا لافغاني العظيم التعقيد توجها براغماتيا وعمليا. بيد ان تاريخ طالبان في افغانستان، مثل حروب غير تناسبية مشابهة، يشير الى ان الضعف العسكري لا ينشأ عنه بالضرورة اعتدال سياسي.
هذا ما حدث مثلا في نضال حركة الماو – ماو للبريطانيين في كينيا، وفي حرب الفيتكونغ للامريكيين في فيتنام وفي القتال الذي قامت به جبهة التحرير الجزائرية للفرنسيين في الجزائر. في جميع هذه الاحداث برغم ان الحركة الثائرة كانت اضعف من القوة العظمى التي حاربتها، حظيت بانتصار استراتيجي مع انقضاء فترة العنف.
يقال الشيء نفسه ايضا عن المنطقة الافغانية، التي فيها الثمن البشري والسياسي والاقتصادي الذي اضطر الاتحاد السوفياتي الى دفعه في غضون سنين من سفك الدماء في مواجهة قوات المجاهدين، دفع القوة العظمى الى ترك ميدان القتال برغم تفوقها العسكري الواضح.
يشك كثيرا في أن تقلل الضربة العسكرية التي ستتلقاها حركة طالبان من مقدار استعدادها لمواصلة القتال. الحديث عن حراك وعن طراز سلوك متطرف قتالي، يختلف اختلافا جوهريا عن الواقع الامريكي البراغماتي، وفي مركزه مبدأ بناء تحالفات بين خصوم هم شركاء ايضا فوق كل شيء.
على ذلك قد تنشأ سريعا مأساة امريكية جديدة. كذلك توقع امريكا ان يكون من الممكن الحصول على ثقة الشعب الافغاني وتأييده على خلفية تصعيد نشاط حلف شمال الاطلسي – يبدو داحضا في ظاهره. ان حقيقة ان من بدأوا يدفعون ثمن العملية في المرجة هم سكان المدينة، قد ترفع اكثر مستوى العداوة والاغتراب عند السكان المدنيين نحو حلف شمال الاطلسي. وهكذا، على نحو مفارق، قد تقوى السيطرة السياسية لحركة طالبان على المنطقة.
سيساعد المستقبل القريب في بيان هل ستبدأ العملية فصلا جديدا من مسيرة الحماقة الامريكية لا من مسيرة السذاجة فقط، التي تسير ازاء نواظرنا منذ سنين بل عقود.
المصدر : مركز أبحاث المستقبل – تقرير الصحف العبرية 16/02/2010م

