هآرتس – بقلم: ألوف بن
(المضمون: الادارة الامريكية تراجعت عن الضغط على اسرائيل في مسألة القدس والتسوية الدائمة في إثر الاتضاح لها بتعذر هذا السبيل وهي تسعى الان الى صفقة مع نتنياهو تدفع السلام الى الامام).
من السابق لاوانه الحديث عن اختراق سياسي او عن مبادرة سلام جريئة، ولكن المؤشرات واضحة: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى الى صفقة مع الادارة الامريكية، تهدىء الخلاف العلني بين واشنطن والقدس. الرئيس الامريكي، براك اوباما استنفد الضغوط ومظاهر الغضب على نتنياهو، ويعمل على ترميم العلاقات مع اسرائيل.
في الاونة الاخيرة دارت اتصالات مكثفة بين مكتب رئيس الوزراء والبيت الابيض، في محاولة اسرائيلية لسحب الانذار الاخير الذي طرحته الادارة على نتنياهو، وفي مركزه مطلب وقف البناء واسكان اليهود في شرقي القدس. نتنياهو يرفض التجميد في القدس ويقترح على اوباما صيغة سياسية اخرى، والرئيس يبعث بالمقابل برسائل متصالحة لاسرائيل ويلمح برغبته في انهاء الازمة.
وها هي عناصر الصفقة التي تلوح في الافق، حسب تصريحات علنية وسرية لشخصيات اسرائيلية وامريكية كبيرة:
• اسرائيل تبادر الى تسوية انتقالية جديدة في الضفة الغربية، تؤدي الى قيام دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، مقابل تأجيل البحث في القدس. نتنياهو يقدر بان رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس غير قادر على التقدم الى تسوية دائمة – ولهذا فانه يتملص بثبات من استئناف المفاوضات. واوضح نتنياهو للامريكيين: أردت التقدم الى تسوية دائمة، ولكن ليس لدي شريك، وفي النهاية كل شيء يصب في تسوية انتقالية.
الفلسطينيون يعارضون بشدة التسوية الانتقالية، ولكن اذا ما رفضوا مرة اخرى مبادرة اسرائيلية تلقى الترحاب من اوباما، فانهم سيظهرون في صورة الطرف الرافض. اما نتنياهو فسيتخذ صورة السياسي الذي يأخذ مخاطرة سياسية، ولكنه لن يكون مطالبا في هذه الاثناء باتخاذ قرارات حاسمة صعبة. يمكنه أن يهدىء روع شركائه من اليمين، ممن لن يكون لهم ما يدعوهم الى القلق، ولكن عليه أن يأخذ بالحسبان بانه في اللحظة التي يعد فيها بحراك سياسي، فانه سيضطر الى الايفاء به أيضا.
• الولايات المتحدة واسرائيل تبحثان وتجدان مجالات انعدام الاتفاق بينهما وتمتنعان عن تحطيم الاواني والحرج المتبادل. مستشار الامن القومي في البيت الابيض، الجنرال جيمس جونز، القى أول أمس خطابا في معهد واشنطن للسياسة في الشرق الاوسط – وهو منصة واضحة التأييد لاسرائيل – وقال انه "ستكون بيننا خلافات، ولكننا سنحلها كحلفاء". وفصل ما يزعج الادارة: "سندعو كل الاطراف الى الامتناع عن الاستفزازات مثل اعمال اسرائيلية في شرقي القدس وتحريض فلسطيني".
• اوباما سيشدد الخط حيال ايران وسوريا، بهدف صد القنبلة النووية الايرانية ومنع اندلاع حرب في الشمال، وسيوثق العلاقات الامنية مع اسرائيل. واقتبس جونز الرئيس وقال: "الولايات المتحدة مصممة على منع ايران من تطوير سلاح نووي". وفي السياق سار بعيدا في حديث الود والالتزام بأمن اسرائيل وأثنى على التعاون مع "اصدقائي في الجيش الاسرائيلي" ومساهمة الجيش الهامة في الامن الامريكي.
فرصة باراك
باستعداده السير الى تسوية انتقالية اضافية، ودولة فلسطينية بحدود مؤقتة، فان نتنياهو يتبنى اقتراحات وزير الدفاع ايهود باراك، رئيس الدولة شمعون بيرس ووزير الدفاع الاسبق النائب شاؤول موفاز. هذا لن يكون بسيطا: تحقيق التسوية، حتى بصيغة مقلصة، سيستوجب انسحابا اضافيا كفيلا بان يتضمن ايضا اخلاءا لمستوطنات. بمعنى، ان يصطدم نتنياهو بشركائه السياسيين في حزبه وفي اليمين المتطرف ممن اقسموا "بان ليس المزيد ابدا" بعد الانسحاب من غوش قطيف.
يتمتع نتنياهو حتى الان بترف ملكة الصف، التي يغازلها الجميع وهي تتردد في من تختار. وزراء ومستشارون، سياسيون ومحللون، كلهم اعطوه نصيحة: تسوية دائمة، تسوية انتقالية، ولا شبر، محادثات مع الاسد. نتنياهو جلس على الجدار وحاول ان يمدد قدر الامكان موسم الغزل. كل خيار ينطوي على تنازل عن خيارات وعلى صدامات، ومن الاكثر لطفا الجلوس بصفر فعل في وسط الائتلاف، حين تكون الاستطلاعات جيدة ولا يكون في المحيط من يدعي التاج.
ولكن اوباما استغل "ازمة رمات شلومو" في اثناء زيارة نائبه جو بايدن الى القدس قبل شهر ونصف كي يدفع نتنياهو الى أن يتخذ القرار. الرسالة الامريكية كانت واضحة: الهدوء الائتلافي سيكلف نتنياهو أزمة مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تحتاج فيه اسرائيل الى تأييد امريكي ضد ايران. نتنياهو بحث "لتحديد عقاب لنفسه" يظهر حراكا سياسيا، دون ان يضعضع المبادىء المقدسة لليمين مثل "وحدة القدس الى الابد". الزمن يلح: بعد خمسة اشهر ستنقضي فترة تجميد الاستيطان، واستئناف البناء دون مسيرة سياسية، سيؤدي الى انفجار مع الادارة.
وكانت هذه فرصة باراك. لوزير الدفاع توجد ورقتان: التهديد بان يخرج العمل من الحكومة ويترك نتنياهو مع اليمين المتطرف والاصوليين؛ ورغبة رئيس الوزراء في أن يكون قائده السابق من الوحدة الخاصة "سييرت متكال" الى جانبه في التصدي الاستراتيجي لايران. باراك شريك لنتنياهو في نفوره من القيادة الفلسطينية وفي تقديره بان التسوية الدائمة ليست عملية، ولكن خلافا لاعضاء "السباعية" افيغدور ليبرمان، موشيه يعلون وبيني بيغن ، ممن يعارضون كل حل وسط، فانه يقترح التقدم البطيء والامتناع عن المواجهات مع امريكا. تبني افكاره يضع باراك في موقف الرجل القوي في الحكومة.
الضغط توقف
قدر نتنياهو بان ضغوط الادارة لوقف البناء في القدس تغطيه فرصة لتجنيد دعم سياسي في امريكا. حملة "دعوا اسرائيل ولا تلمسوا القدس" – والتي ذروتها كانت في اعلان التأييد الذي أصدره الحاصل على جائزة نوبل ايلي فيزل – نجح في هز ثقة اوباما بنفسه ووقف الضغط المتوحش على نتنياهو. وقد بدت الانعطافة واضحة هذا الاسبوع في مقالات عضوي "فريق السلام" من عهد الرئيس كلينتون، ارون ميلر ومارتين انديك، غير المشبوهين بعطف زائد نحو نتنياهو او برنامج الليكود السياسي. كلاهما انتقدا سياسة اوباما واقترحا لها بدائل، بدلا من التحطم في محادثات عابثة لتقدم التسوية الدائمة بين اسرائيل والفلسطينيين.
مقال ميلر في "فورين بوليسي" كان حادا ومشوقا. فقد ندم على خطيئة ايمانه بـ "دين كذبة السلام في الشرق الاوسط" وروى كيف كرس عشرين سنة من حياته على تقدم تسوية بدت له محتمة ولا رجعة عنها، الى أن خاب أمله. وكتب ميلر يقول: "المذكرات التي كتبتها في حينه لا يمكنني أن اكتبها اليوم باستقامة"، واقترح على اوباما بعض التوازن: هناك امور اهم لامريكا من النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. افغانستان، مثلا، العراق، وبالطبع التصدي لايران. ضغط على اسرائيل لتقديم تنازلات في القدس وفي الحدود سيدفعها فقط الى عملية احادية الجانب في ايران، كما حذر الدبلوماسي القديم.
نتنياهو قرأ ميلر وتشجع. أخيرا احد ما من "صناعة السلام" يفهم تقويم الوضع الاسرائيلي ويتماثل معه. هذا مصداق ومقنع أكثر بكثير من محللين عاطفين آخرين في "فوكس نيوز" او مقال تأييد في "وول ستريت جورنال" من معاقل اليمين الامريكي الذين يهاجمون اوباما في كل مناسبة. الرسائل الايجابية من الادارة لم تتأخر في الوصول: مباركة معانقة من الرئيس في يوم الاستقلال، خطاب جونز في معهد واشنطن وارسال موظفي البيت الابيض الى محادثات في القدس.
حان الوقت لان يسير زعماء المنطقة في طريق أنور السادات، الملك حسين واسحق رابين "وان يظهروا شجاعة وزعامة" قال جونز. سِر في أعقاب بيغن وشارون، وفضل امريكا على ائتلافك اليميني، كتب انديك لنتنياهو في "نيويورك تايمز". رئيس الوزراء ليس هناك بعد. ولكن تقترب اللحظة التي يتعين فيها أن يختار طريقا سياسيا – وربما ان ينفذ ايضا.
المصدر : مركز أبحاث المستقبل – تقرير الصحف العبرية 24/04/2010م

