اسرائيل اليوم - بقلم: موشيه مزراحي
(المضمون: الفساد في إسرائيل واقع ذو جذور فاسدة فلا يكفي لعلاجه تشذيب الاغصان فقط)
تطرق وزير العدل السابق دانييل فريدمان اخيرا الى التأثيمات والاحكام القضائية على الوزيرين السابقين ابراهام هيرشيزون وشلومو بنزيري، في نوع مثال معكوس. فهو يظن أن تصور الفساد كما عبرت عنه هذه التأثيمات واقوال القاضي الاعلى ادموند ليفي – التي عبر عنها لحينه قرار حكمه في قضية قصاب، والتي كررها عندما كان شريكا في تشديد العقوبة في قضية بنزيري – ليس مخطوء فحسب، بل قد يحث جهاز فرض القانون على "حماسة زائدة" وفرض تحقيق ودعاوى على نحو انتقائي في المكان الذي لا تكون فيه ضرورية. من المثير ان نعلم كيف يفسر جميع اعمال الفساد وشكل سلوك منتخبي الجمهور في السنين الاخيرة، التي قلبت أحشاء القاضي ليفي وجعلته يعبر تعبيرا لم يوجد له مثيل من قبل عن هذه الظاهرة القبيحة وأخطارها.
لا يظن السيد فريدمان، بخلاف القاضي ليفي، ان وجه الفساد تغير، واذا وجد احساس كهذا فان تبعة ذلك يحتملها "التفسير" الجديد لاحكام الجنايات عند جهاز فرض القانون الذي يدخل في فئة تصنيف المخالفات افعالا لم تعد كذلك من قبل.
باختصار يختفي وراء كل هذا التذاكي الدعوى القديمة العفنة وفحواها ان ما يجب تقويمه ومن يجب تقويمه ليسوا من كتب عنهم القاضي ليفي انهم يجب ان يفعل معهم كذلك، بل جهاز التحقيق والنيابة العامة اللذين يريان ظل الفساد مثل فساد.
ان الشيء الجميل هو ان فريدمان من أجل المقارنة المتشددة يذكر الكشوف الصحفية عن البرلمان البريطاني في قضية الاستعمال السيء لحساب النفقات البرلمانية. الان نهدأ.
بيد ان فريدمان نسي ان يذكر ما يريد ان يراه القاضي ليفي في أيامه هنا عندنا – كيف رأينا طهارة المعايير بمقادير صغيرة تحدث قدرا من المسؤولية الكبيرة، وكيف لا تثمر عندنا الاعمال الجنائية شيئا على التقريب. انهم يتحملون عارهم ها هنا بفخر على رأس سبتنا.
ذات مرة، وكنت ما أزال اخدم في شرطة اسرائيل، خرجت في زيارة عمل لدولة هادئة في اوروبا الغربية. في ذلك الوقت ساد بلدنا مناخ الفساد الذي يشبه ما نراه هنا في الفترة الاخيرة ايضا: فقد اجري تحقيق مع رئيس الحكومة ورئيس الدولة، واتهم وزير رفيع المستوى بسلسلة من الاعمال المعيبة واشياء اخرى.
حاولت أن اتبين من المسؤولين الكبار الذين التقيتهم هل يعلمون بما يحدث في بلدنا، وأي نظرة ينظرون الى ذلك المشهد. أدهشني أن اسمع الى اي حد يعلمون ذلك وأي صدى تثيره هذه الاشياء في الخارج (وليتنبه الى ذلك من يوهمون انفسهم بأن هذه قضايا داخلية فقط).
كانوا ممتلئين بالتقدير بل بالاجلال، للدولة ولجهاز فرض القانون للجرأة على علاج ذوي المناصب الرفيعة بلا خوف، ولان هذه التحقيقات ممكنة. خيل الي انني لحظت حتى شيئا من الحسد لان قضايا التحقيق هذه لا يمكن ان تتم مع الجهات الحاكمة في بلدهم.
أعترف بأن وجهة النظر المشجعة هذه وهبت لي آنذاك قليلا من لحظات الارتياح بدل الخزي المكظوم. وكان ذلك فخرا لنا.
بيد ان لحظات الفضل لهذا الادراك اخذت تتلاشى مع الوقت. تبين في واقعنا ان ليس الحديث عن موجة عكرة وحيدة. لا، هذا واقع ذو جذور فاسدة – والعلاج لقطع الاغصان لا يفضي بالضرورة الى مضاءلة الوباء. فهذا شيء أعمق. ولم يعد ذلك الافتخار في محله.
لا اعتقد كالسيد فريدمان ان هذا سببه ان "الاوغاد في جهاز فرض القانون غيروا القواعد ونسوا ان يبلغونا".
يزعم غير قليل زعما عادلا صحيحا بقدر كاف، وهو انه لا توجد دولة لا يوجد فيها فساد وان الظاهرة راسخة في طبيعة المجتمع الانساني.
اعتقد انا ايضا مثل فريدمان، لكن من وجهة نظر اخرى، ان لب الامر الذي يجعل الظاهرة خطرة تخل بالنظام والمجتمع ان تصبح هذه الظاهرة جزءا من ثقافة الحكم والثقافة السياسية، ولا يقل عن ذلك اهمية – كيف نسلك في ذلك المجتمع والدولة الموبوءين بها. الجواب لهذين الامرين لغير مصلحتنا تماما.
المصدر: مركز أبحاث المستقبل/تقرير الصحف العبرية، 15/7/2009.

