يؤكد الوضع الفلسطيني الراهن أننا نحن الفلسطينيين لم ننجح في تسوية نزاعاتنا السياسية الداخلية، وأننا ندور في حلقة مفرغة من الانقسام الداخلي داخل فقاعة أوسلو، وهي فقاعة هشة تطير في هواء سلطة زائفة في دولة غير موجودة، وقد بتنا عالقين في هذه الفقاعة الوهمية وغير قادرين على الخروج منها إلى فضاء الحقيقة، وكأنها أصبحت مصيرنا وقدرنا.
النظام السياسي لما يسمى "السلطة الوطنية الفلسطينية" نظام وهمي، صمم خصيصاً لخدمة المشروع الصهيوني، ولإحداث شق عميق في المجتمع الفلسطيني، ولفصل غزة عن الضفة، سياسياً وجغرافياً، ولإبقاء الشعب الفلسطيني محاصراً في فقاعة فارغة تحلق في فضاء الأوهام. ولكن النظام السياسي الفلسطيني (نظام أوسلو) في الوقت ذاته مقدس عند فئة من الفلسطينيين، لأنه يعني بالنسبة لهم أرصدة في البنوك، وشهادة قبول أمريكية وأوروبية، وحياة مليئة بالتفاوض والفنادق والوجاهة الزائفة. وهذا هو التناقض الذي جعلنا ندور في حلقة مفرغة، فالنظام السياسي الفلسطيني جامد جمود التعنت الصهيوني وجمود الحرص الأمريكي والأوروبي على أمن الكيان الصهيوني، فلا يمكن تطوير هذا النظام السياسي أو تبديله إلا بالطريقة التي تخدم المشروع الصهيوني وتتفق مع رؤية الدول المانحة، التي تقدم أموالها المسيسة للسلطة الوطنية الفلسطينية، خدمة للمشروع الصهيوني.
ولذلك لم تنجح الانتخابات الفلسطينية العامة في إصلاح هذا النظام السياسي أو تغييره رغم نزاهتها وقوة دلالتها وارتياح الشعب الفلسطيني لنتائجها، لأن هذه الانتخابات كانت تهدف إلى ضمان بقاء الشعب الفلسطيني محاصراً داخل فقاعة أوسلو، وستظل العملية الانتخابية رهن هذه الأهداف الصهيونية. ولم تنجح الجهود المصرية في تحقيق ما يسمى المصالحة الوطنية بين حماس وفتح، لأن الورقة المصرية مصممة خصيصاً لإلزام حماس بالمحددات والاشتراطات الصهيونية والغربية التي تضمن سلامة فقاعة أوسلو من الخدش، حتى لا تنفجر، وحتى لا يكسر الفلسطينيون حصار الأوهام والوعود السرابية. ولن يقبل الصهاينة والأمريكيون والأوروبيون – وبالتأكيد بعض العرب – أية مصالحة في المستقبل قد تؤدي إلى المس بفقاعة أوسلو.
إذاً هل يظل الفلسطينيون محاصرين داخل هذه الفقاعة الوهمية يدورون في الحلقة المفرغة للانقسام الداخلي والمناكفة السياسية بينما تظل عمليات التهويد واغتصاب الأرض الفلسطينية وتهجير الفلسطينية من أرضهم على أشدها وتزداد وتيرتها؟
الوضع الحالي يحتاج إلى تقيم شامل، فالشعب الفلسطيني ما زال يدفع ثمناً باهظاً من أرضه، وحقوقه المشروعة، ومقدساته، وهويته، ووجوده، ومعاناته. ولكن كل هذا الثمن والتضحيات في مقابل ماذا يا ترى؟ وهل هناك أفق سياسي للخروج من فقاعة أوسلو؟
لا بد من انتخابات فلسطينية عامة جديدة، ولكن ليس على أساس محددات الانتخابات الماضية التي أقرتها أوسلو، وإنما على أساس محددات جديدة ترفض مرجعيات أوسلو، بحيث تؤدي إلى إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وتحريرها ممن خطفوها واستغلوها لخدمة مصالحهم الشخصية وممن جعلوها مطية للأمريكيين والصهاينة، أو إقامة منظمة فلسطينية جامعة جديدة بديل عنها كإطار عمل يلم شمل الفصائل الفلسطينية تحت سقف واحد هو سقف المقاومة حتى تحرير فلسطين كافة من بحرها إلى نهرها. وعلى أساس هذه المحددات تحدد المنظمة الجديدة أهداف الانتخابات ووسائلها ونوع السلطة المطلوبة لإدارة الضفة الغربية وغزة.
قد تبدو هذه الدعوة إلى كسر فقاعة أوسلو خرافة عند كثير من الناس، بسبب الاعتقاد بأن أسلو والنظام السياسي الفاسد الذي فرضته علينا هو مصيرنا وقدرنا الذي لا يتغير ولا يتبدل. وأقول لأصحاب هذه النظرة المتشائمة إننا الآن نعيش في خرافة، فكيف يمكنكم الخروج بشعبنا من هذه الخرافة المهلكة؟! إن استمرار الوضع الفلسطيني الراهن ليس حلاً، بل هو مشكلة كبيرة، ودليل على عجز الفصائل الفلسطينية في الداخل والخارج عن الوفاء باستحقاقات المرحلة الدقيقة التي تمر بها قضية فلسطين والشعب الفلسطيني. وذلك لأن استمرار الحرب على المقاومة في الضفة ممكن أن يؤدي إلى استئصالها نهائياً، وفي هذه الحالة – لا سمح الله – يكون الشعب الفلسطيني قد خسر خسارة إستراتيجية خطيرة.
لذلك فإن الدعوة إلى كسر فقاعة أوسلو يجب أن تحل محل الدعوة إلى إنهاء الانقسام الداخلي والمصالحة الوطنية، وأن تكون شرطاً وهدفاً لإجراء انتخابات فلسطينية عامة لا بد منها. وعلى جميع الأطراف الفلسطينية المتنازعة القبول بنتائج هذه الانتخابات، فخروج طرف من المسرح السياسي الفلسطيني لا يعني انتهاء دوره السياسي، فالعمل كمعارضة قوية له إيجابيات كثيرة تفوق المشاركة في الحكم والسلطة أحياناً، ويحد كثيراً من سلبيات الوضع الراهن، ويعفي الشعب الفلسطيني من مؤامرات أدت إلى زيادة معاناته.
11/8/2010

