بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة رئيس الوزراء في الذكرى السنوية العاشرة لانتفاضة الأقصى
انتفاضة الأقصى إعادة الحياة لقضيتنا والكرامة لشعبنا
وجعلتنا أقرب للنصر والتحرير
أبناء شعبنا العظيم..
أبناء بيت المقدس وأكناف بيت المقدس
جماهير أمتنا العربية والإسلامية
أحرار هذا العالم ومناضليه من أصحاب الضمائر الحية،
المدافعين عن الحق والعدالة والحرية في كل مكان
إليكم جميعاً نتوجه بالتحية والتقدير، سائلين المولى (عز وجل) أن يجزل عظيم ثوابه لكل من أعطى وقدم بالنفس والمال والتضحية لشعبنا وقضيته، وهو سبحانه القائل "والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا".
يا أبناء شعبنا العظيم..
في تاريخ الشعوب والأمم محطات تاريخية ولحظات تتجلى فيها إبداعات العطاء والتضحية والفداء.. إن شعب فلسطين الذي يحتضن صفحات تاريخية أرقى المشاهد والصور الوضاءة، حيث كانت وقائع الأحداث على هذه الأرض المباركة سجلاً عامراً بالمجد والعلا والانتصار، والتي وقف أمامها أبناء أمتنا العربية والإسلامية بكل الفخر والتقدير والاعتزاز.
ففي تاريخنا الحديث كانت انتفاضة الحجارة في ديسمبر 87، التي أعادت الثقة لشعب تحت الاحتلال بأن جيل الانتصار قادم، وأن مواقف الاستجداء والخنوع لا تمت لأصالة هذا الشعب وتاريخه المشرق بالعزة والكرامة والفخار، وكان ذلك المشهد البطولي الذي جعل العالم يقف إعجاباً بقدرات التحدي التي جسدتها إرادة الأطفال والشيوخ النساء الذين تصدوا لدبابات الاحتلال بصدورهم العارية، وأطلقوا العنان لقوافل الشهداء ودماء الجرحى أن تُعبد لنا ولشعبنا الطريق نحو الحرية.
ثم كانت انتفاضة الأقصى في مثل هذا اليوم من سبتمبر 2000، بعد ما ظنّ عدونا أنه نجح في خداع العالم بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993.. وادعائه بانحيازه إلى السلام في الوقت الذي كان يواصل مصادرته لأرضنا واستيطانه فيها وتكثيف جرائمه بحق شعبنا ومقدساته.
ولكي نستطيع أن نفهم دلالات المشهد لابدّ أن نقرأه في ضوء التاريخ، فدروس التاريخ تفتح بصائرنا على نذر المستقبل وبشاراته.
إن هذه الأرض المباركة التي حط فيها الاستعمار الصليبي رحاله أكثر من 80 عاماً، وغاصت خيلهم في دماء المسلمين داخل ساحات المسجد الأقصى كان مصيرهم الهزيمة والزوال، بعد أن استردت هذه الأمة الإسلامية على يد صلاح الدين الأيوبي عافيتها وطهارتها.
إن التاريخ يعلمنا بأنه لا مستقبل لمستعمر على هذه الأرض، أرض الإسراء والمعراج التي بارك الله فيها للعالمين، والتي تختزن ذكريات الأمة ودماء شهدائها، وقبور أبطالها، وأجمل ما في تاريخها، وانتصاراتها وأحلامها ومستقبلها، وهي حالة التميز والتضحية والإبداع التي تمنح الأمة قلادة عزها ومكانتها بين الأمم.
لقد كانت انتفاضة الأقصى من بشارات المستقبل الجميل، وأن عيون وقلوب وعقول أبناء هذه الأمة كانت تتطلع بإعجاب لمقاومة أبناء فلسطين وتضحياتهم.
لقد كانت انتفاضة الأقصى اختباراً لنا في القدرة على التضحية والصبر والعطاء، ولقد نجح شعبنا في التأكيد على جدارته بأنه يستحق الحياة، وأنه لم يتردد في تحمل تبعات المواجهة مع الاحتلال، لم تنكسر إرادته، بل سجل حالة صمود أسطوري أخذت أشكالاً جهادية متميزة، تواصلت فيها ضربات المقاومة وإبداعاتها حتى حمل الاحتلال عصاه ورحل عن قطاع غزة في سبتمبر 2005.
لقد جسدت انتفاضة الأقصى قدرات هذا الشعب على رفض الاحتلال والتصدي لجيش الاحتلال وآلته العسكرية، وكان تحرير قطاع غزة هو المحطة الأولى نحو استعادة شعبنا حقه في التحرير والعودة.
في الذكرى العاشرة لانتفاضة الأقصى يتعاظم التفاف شعبنا حول حقوقه وثوابته الوطنية، وتتزايد المطالب بالإفراج عن الأسرى والمعتقلين؛ ولهؤلاء سنظل نطرق كلَّ الأبواب حتى يكتب الله لهم فرجاً قريبا..
أبناء شعبنا العظيم..
عشر سنوات مضت منذ انطلاقة انتفاضة الأقصى، وعيون أمتنا العربية والإسلامية تتابع ملاحم الصبر والمصابرة والرباط على أرض فلسطين؛ في بيت المقدس وفي الخليل ونابلس وغزة هاشم، وتجأر لنا بالنصر والتمكين.
عشر سنوات مضت، رسمنا فيها خطانا ثابتة على أرض الوطن، وأكدنا أن حقنا لن يضيع، لأن هذا الحق له من يحمله ويحميه.
عشر سنوات مضت، أعدنا فيها خريطة وجودنا وحددنا معالم الوطن وحدوده، فلم ولن نعطى الدنية في ديننا وأرضنا، وإذا لم يعد الحق لأهله سيبقى السيف حكماً بيننا.
عشر سنوات مضت منذ تلك الانتفاضة المباركة، وجهودنا لم تنقطع كي نبني مستقبلا أفضل لشعبنا، وأن نقدم نموذجاً لأمتنا يعيد هيبتها وعزتها وجدارتها بين الأمم..
جاءت الانتخابات، وجاء الحكم، وكانت أربع سنوات أشرقت في فضائها تجليات الصمود والتحدي لشعبنا، لم تنكسر إرادتنا برغم الظلم والحصار والعدوان، وظلت عناصر الإيمان تشحذ عزيمتنا، وترد عنا كيد المعتدين.. لم نرفع الرايات البيضاء استسلاماً للمحتلين، بل ظلت أصواتنا هادرة بمواقف الرجولة والتحدي.
لقد حاول الاحتلال في حربه العدوانية الأخيرة على غزة أن يسجل انتصاراً يفخر به، ولكن المقاومة كانت له بالمرصاد، ومفاجأتها أذهلت في نجاحها قادة العدو من سياسيين وعسكريين..إنها معيّة الله " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ".
لقد تحملنا كل أشكال العزلة والحصار، وكسبنا بثباتنا وصبرنا كل التقدير والاحترام، ليس بين جماهير أمتنا العربية والإسلامية فحسب، بل في عيون كل من شاهد معالم هذا الصبر والثبات من أحرار العالم وأصحاب الضمائر الحيّة فيه.
إن صفحات تاريخ نضالنا هي عنوان شعب حاصر حصاره، وأودع في القيد سجانيه.
أبناء شعبنا العظيم..
حاولنا بعد الأحداث التي وقعت في يونيه 2007 وبعد عودة حالة الأمن والاستقرار للقطاع أن نستعيد تواصل الحالة السياسية، وناشدنا الأخ أبو مازن وإخواننا في حركة فتح أن نتجاوز عقبات الظرف الذي وقع، وأن نفتح صفحة جديدة يسترد فيها شعبنا وحدته، وان نضرب الذكر صفحاً عما انطوى من أحداث بكل ما فيها من مآسي وآلام، لكي نبني مستقبلاً ينعم فيه الجميع بالأمن والأمان والرخاء والاستقرار.. وأكدنا أن المصالحة هي خيار استراتيجي لنا، وأنه ليس في مصلحة أحد أن يستمر الانقسام..
وكانت محاولاتنا الدائمة للاقتراب من إخواننا الأخوة في حركة فتح تقابل بالرفض والصدود، ولم تنجح جهود الوساطة التي تقدمت بها أطراف فلسطينية مختلفة في تحقيق المصالحة وتجاوز أزمة الانقسام، ثم كانت الجهود العربية والإسلامية التي قادها الأخوة في جمهورية مصر العربية، فكانت الوثيقة التي سعت وما زالت لإنهاء الانقسام، ونثمن الدور والجهد المصري على هذا الطريق ونحرص على إنجاحه وتقويته.
كما أننا لن ننسى في هذه الذكرى العزيزة لانتفاضة الأقصى تقديم الشكر لكل الذين وقفوا معنا خلال مسيرتنا حكومات وشعوباً في العالم العربي والإسلامي وأحرار العالم في مواجهة الاحتلال ومخططاته، وتثبيت أركان وجودنا في الحكومة الفلسطينية.
وختاماً، نقول لكل من يعينه شأن هذا الصراع:
- لا مكان للاحتلال في أرضنا ولشعبنا الحق في العيش الكريم على أرضه.. لقد توافقنا داخل ساحتنا الفلسطينية على حقنا في دولة على حدود الرابع من حزيران 67 والقدس عاصمة لها؛ هذا هو الحد الأدنى لكي يتحقق الاستقرار، ويتعزز الأمن والأمان في هذه المنطقة من العالم.
- إن شعبنا لن يلقي السلاح، ولن يوقف المقاومة، لأنها حقٌ مشروع لنا، طالما أن هناك احتلالاً جاثماً على أرضنا حتى ينال شعبنا الحرية والعودة والاستقلال، وان منهج المفاوضات لن يزيد شعبنا إلاَّ رهقا وهواناً خاصة وأنها مفاوضات قائمة على الاستجداء والقبول بسياسة الاستيطان والعدوان وفرض الشروط والاملاءات.
- إن المستقبل الذي نرجوه لشعبنا هو أن يعيش كريماً داخل أرضنا، أحراراً على ترابها، ونتمتع بكامل السيادة في دولتنا، وأن يكون لشعبنا في المنافي والشتات الحق في العودة إلى أرضه ودياره التي هجر منها، ولأسرانا في سجون الاحتلال أن ينعموا بالحرية والكرامة.
- إن المصالحة هي الممر الوحيد لاستعادة وحدة شعبنا وتمتين جبهته الداخلية لمواجهة التحديات المفروضة علينا وتحقيق آمال وطموحات شعبنا في التحرر والانعتاق من نير الاحتلال وهي تتطلب ارادة حقيقية والتوافق على ما يحقق الشراكة السياسية والأمنية والمرجعية القيادية بما يؤمن الديمومة للاتفاق، واننا إذ نرحب بالحراك الايجابي الذي ظهر مؤخراً في ملف المصالحة فإننا نؤكد أننا سنبذل كل جهدنا من أجل الوصول الى مصالحة وطنية حقيقة مستقرة.
إن المستقبل الذي يترآى لنا هو أكثر إشراقاً وأملاً وتفاؤلا وراحة، لأنه فجر جديد يتلألأ بعطر دم الشهداء وآخرهم شهداء الليلة في غزة وشهداء انتفاضة الأقصى وعلى رأسهم الرئيس الراحل ياسر عرفات والشيخ الشهيد أحمد ياسين وأبو على مصطفي ود. ثابت ثابت ومحمود طوالبه ود. عبد العزيز الرنتيسي ود. إبراهيم المقادمة والمهندس إسماعيل أبو شنب والشيخ صلاح شحادة والوزير سعيد صيام والشيخ نزار ريان والشيخ جمال سليم وجمال منصور، وتضحيات أسرانا البواسل في زنازين الأعداء، ودموع أخواتنا وأمهاتنا من خنساوات هذا الوطن وحرائره.. فالنصر قادم ووعد الله قائم:
"إن تنصروا ينصركم ويثبت أقدامكم"
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

