د. عماد الباز
مسجل الشركات – وزارة الاقتصاد
نظراً للتغيرات الاقتصادية التي حدثت في العالم فأصبح بالأهمية بمكان التعرف على التشريعات القانونية التي تنظم العمل التجاري حيث يعمل هذا الأخير على الأخذ بكل تطور اقتصادي في داخل المجتمع لكل ذلك سوف نحاول في هذه اللقاءات أن نتناول العديد من الموضوعات التجارية بأنواعها المختلفة سواء كانت تدخل في إطار القانون التجاري أو قانون الشركات أو العلامات التجارية.... وأول ما سوف نبدأ به هو الحديث عن أهمية بين العمل التجاري والعمل المدني.
إن الأهمية القانونية للتفرقة بين الأعمال التجارية والأعمال المدنية تظهر من خلال التطبيقات القانونية، كما أن نطاق تطبيق القانون التجاري يرتكز في الأساس على الأعمال التجارية.
لذلك فإن غالبية التشريعات المقارنة عندما تقوم بوضع الأحكام الخاصة للمعاملات التجارية فإنها تهدف إلى تحقيق غايتين أساسيتين أولهما السرعة في إنجاز المعاملات التجارية وثانياً تقوية الائتمان التجاري التي تقوم عليه التجارة وذلك بالتشدد في معاملة المدنيين حتى يوفوا بديونهم في مواعيد استحقاقها وهاتان الغايتان تتضحان من التطبيقات القانونية التالية:
أولاً: الاختصاص القضائي والنظام القانوني للأعمال التجارية:
إن المشرع الفلسطيني وهو بصدد الاختصاص القضائي للمنازعات التجارية أخذ بمبدأ وحدة القضاء، ولم يأخذ بالقضاء التجاري المتخصص فالمحاكم تختص بنظر جميع المنازعات مدنية كانت أو تجارية مطبقة أحكام القانون التجاري على المنازعات التجارية وأحكام القانون المدني على المنازعات المدنية، فمحكمة البداية تختص ببعض المنازعات التجارية بصفتها أول درجة مثل دعاوى حل الشركات وتصفيتها والمحاسبة ودعاوى الإفلاس.أما محكمة الصلح فتختص بالنظر في بعض القضايا التجارية مثل دعاوى إخلال المأجور.
كذلك نجد الغرفة التجارية الفلسطينية تختص بالنظر في المنازعات التجارية التي تنشأ بين التجار وهذا ما نص عليه قانون الغرفة التجارية الفلسطينية لسنة 1954م في المادة الثانية منه حيث نصت على أنه ( تقوم الغرفة بالفصل في المنازعات والخلافات الناشئة بين التجار وأصحاب المهن الحرة وذلك في حالة تقديم طلب خطي من الطرفين المتنازعين أو من أحدهم بشرط أن يوافق الطرف الآخر خطي على قبول تحكيم الغرفة وعلى أن يحدد في الطلب موضوع التحكيم) ونجد أهمية العمل التجاري تتضح مرة أخرى وذلك بالنسبة للاختصاص المحلي حيث المشرع الفلسطيني جعل الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه وهذا تطبيقاً للقاعدة التقليدية في الاختصاص المحلي وعملاً بالقاعدة الشائعة أن الدين مطلوب وليس محمول.
هذا ونجد أن قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني الجديد رقم 2 لسنة 2001 نص على الاختصاص المحلي للمحاكم وهذا في المادة 42 حيث ذكرت أن الاختصاص المحلي للمنازعات المتعلقة بالأموال المنقولة يكون للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن مدعى عليه أو محل عمله، أو المكان الذي نشأ فيه الالتزام وإذا تعدد المدعى عليهم كان الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن أو محل عمل أحدهم
كذلك نصت المادة 43 على أنه يجوز للأطراف الاتفاق على اختصاص محكمة معينة على خلاف القواعد المنصوص عليها في المادة 42 من هذا القانون فلا يجوز الاتفاق مقدماً على ما يخالف هذا الاختصاص
أما إذا تعلقت الدعوى بحق عيني على عقار أو على أحد أجزائه فيكون الاختصاص لمحكمة موقع المال، وإذا تعددت الأموال العقارية فيكون الاختصاص للمحكمة التي يقع أي منها ( المادة 44 من قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية رقم 2 لسنة 2001).
ثانياً: الإثبات
إن طرق الإثبات عديدة ومتنوعة وهذا ما أشارت إليه المادة 7 من قانون البينات في المواد المدنية والتجارية رقم 4 لسنة 2001 حيث ذكرت طرق الإثبات هي ( الأدلة الكتابية، الشهادة، القرائن، الإقرار، اليمين، المعاينة، الخبرة). هذا ويختلف العمل المدني عن العمل التجاري من حيث وسيلة الإثبات الواجب إتباعها فبينما يستلزم العمل المدني الكتابة لإثباته وهذا ما أشارت إليه المادة 68/1 من قانون البينات في المواد المدنية والتجارية رقم 4 لسنة 2001 حيث ذكرت ( في المواد غير التجارية إذا كان الالتزام تزيد قيمته على مائتي دينار أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً أو كان غير محدد القيمة فلا تجوز شهادة الشهود في إثبات وجوده أو انقضائه ما لم يوجد اتفاق صريح أو ضمني أو نص قانوني يقضي بغير ذلك).
من خلال النص السابق نلاحظ أن المشرع استثنى المعاملات التجارية من مبدأ الإثبات بالكتابة لأن تطبيق هذا المبدأ على المعاملات التجارية من شأنه أن يؤدي إلى عرقلة التجارة وتعطيلها وذلك نظراً لطبيعة الحياة التجارية التي تتسم بالسرعة والتطور إذ هدفها تحقيق الربح عن طريق سرعة تداول الثروات ولن تتحقق هذه السرعة إلا بتحرير إثبات التصرفات القانونية التجارية من كل القيود والإشكال.
إذاً مبدأ حرية الإثبات هو القاعدة التي تحكم المعاملات التجارية وهذا خلافاً للمعاملات المدنية التي يخضع الإثبات فيها لبعض القيود، هذا ولقد أكد قانون التجارة المصري رقم 17 لسنة 1999م على هذا المبدأ بوضوح في المادة 69 منه حيث نصت على أنه ( يجوز إثبات الالتزامات التجارية أيا كانت قيمتها بكافة طرق الإثبات ما لم ينص القانون على غير ذلك)
إذا كانت السرعة والائتمان اللتان يسودان البيئة التجارية هما اللذان يبرران مبدأ حرية الإثبات فإنه يخفف عيوب هذا المبدأ عدة أمور منها التزام التجار بمسك الدفاتر التجارية مما ييسر إثبات هذه المعاملات كذلك اشتراط الكتابة في بعض الأعمال التجارية الهامة كعقد الشركة وعقد النقل البحري، بل إن هناك بعض الأعمال التجارية لا تقع بطبيعتها إلا إذا استوفت أشكالاً معينة حددها القانون كالأوراق التجارية وعمليات البنوك، كما أن مبدأ حرية الإثبات ليس من النظام العام إذ يجوز الاتفاق على مخالفته وإخضاع الإثبات في المواد التجارية للقيود الواردة في القانون المدني وحينئذ يتعطل مبدأ حرية الإثبات ولا يجوز التمسك به في المعاملات بين الطرفين كأن يتفق مثلاً على أن إثبات التخلص من الدين لا يكون إلا بمخالصة كتابي

