أخبار » مقالات

سيناريو بني عودة في ثوب أبي السعود

26 أيلول / يناير 2011 10:15

بعد قضائها 66 يوما في سجن الجنيد، أفرجت الأجهزة الأمنية في الضفة الأسبوع الماضي عن المربية تمام أبو السعود من مدينة نابلس، وفق ما قالت أنه تنفيذا لقرار الرئيس محمود عباس بإطلاق سراحها، وكانت أبو السعود قد اعتقلت قبيل عيد الأضحى بساعات، حيث جرى تفتيش بيتها وقلبه رأسا على عقب، قبل أن تعتقل أجهزة أمن السلطة ابنها الصغير خضر (16 عاما)، وذلك بالتزامن مع اعتقال الاحتلال الصهيوني لابنها معتصم (19 عاماً)، وبعد اعتقالها بعدة أيام تم اتهامها بالمشاركة في مخطط لاغتيال محافظ نابلس واستهداف شخصيات ومؤسسات وطنيه فلسطينية.

وكما شكل اعتقال أبو السعود مسرحا جديدا للمناكفات بين كل من فتح وحماس، وفتح الباب مشرعا ليتهم كل من الطرفين الآخر باستغلال القضية لخدمة مصلحة سياسية، في ظل رفض شعبي ووطني مبدئي لاعتقال النساء، شكل إطلاق سراحها كذلك ساحة جديدة من ساحات العراك السياسي بين الفريقين، وبعيدا عن حالة الشد والجذب، لابد من تسجيل عدة ملاحظات على هذه القضية بشكل يسهم في تحديد الموقف السليم منها.

وأول هذه الملاحظات هي أن اعتقال أبو السعود جاء وسط حملة شرسة من الاعتقالات، شنتها أجهزة أمن الضفة، وتصاعدت وتيرتها مع قرب موعد لقاء المصالحة الذي كان من المفترض عقده في دمشق، ليشكل بدعة خارجة عن تقاليدنا وأعرافنا وأخلاقياتنا الوطنية، وتسيء لتاريخ المرأة الفلسطينية ودورها في الوقوف بشرف وكبرياء دفاعاَ عن الوطن، وهو ما جعل ردة فعل حركة حماس قوية وحاسمة بعدم الاستمرار في ماراثون اللقاءات الغير مجدية حول موضوع المصالحة، في ظل استمرار الاعتقال السياسي. 

وثاني الملاحظات التي يجب الالتفات إليها أن الإفراج عنها، والذي أريد إظهاره كمكرمة ومنة من رئيس السلطة محمود عباس لاعتبارات إنسانية، إنما يشكل إدانة له ولأجهزته الأمنية، لأنه ببساطة يناقض قرار محكمة العدل العليا القاضي ببراءتها والإفراج عنها والذي أصدرته المحكمة قبل عشرة أيام، وهو ما أكدته عددٍ من المؤسسات الحقوقية المعروفة.

أما المسرحية المفبركة التي حاولت الأجهزة الأمنية في الضفة إخراجها بشكل ممجوج، عبر المؤتمر الصحفي الذي خرجت فيه أبو السعود لتشكر أبو مازن وتعترف بأنها مذنبة وتستحق الإدانة، فلا يخفى على أحد ما تمارسه أجهزة فتح من ضغوط بشعة على المختطفين من أجل إجبارهم على الإدلاء بتصريحات تخدم أجندتهم الخاصة، حتى وصل التعذيب بالبعض مبلغه لدرجة إقراره بالعمالة للاحتلال والمشاركة في قتل العديد من المناضلين والمجاهدين، وكلنا يذكر قصة المختطف مؤيد بني عودة، الذي وحسب اعترافاته في شريط نشرته أجهزة أمن السلطة بتاريخ 10/ 8/ 2007 اعترف صراحة انه شارك مع قوات الاحتلال في عملية اغتيال عدد من الشهداء, مؤكداً أنه ارتدى لباساً عسكرياً ورافق جنود الاحتلال في العديد من المهمات، وفي يوم 27/01/2010 أصدرت "محكمة البداية" التابعة لذات السلطة في نابلس حكمًا قضائيًّا يقضي ببراءة بني عودة من تهمة العمالة، وقرَّرت الإفراج عنه فورًا، وبالفعل نفذ جهاز المخابرات القرار، وقبيل أن يستقبله أي شخص من أقاربه خارج السجن، أعاد جهاز المخابرات اختطافه واعتدوا عليه وعلى أقاربه بالضرب الشديد.

ولعل من نافلة القول أن تكرار محاولات هذه الأجهزة تزوير وإجبار المختطفين تحت التعذيب والترهيب والتهديد على الاعتراف بتهم مفبركة، جعل هذا الأمر محل استخفاف لأنه بات من المعلوم استغلالٌ هؤلاء لأساليب دنيئة من أجل إجبار المربية أبو السعود على الإدلاء بهذه التصريحات .

 أما عن حال التعذيب في سجون الضفة والذي نفته المربية أبو السعود، يكفي أن نورد ما أصدرته منظمتان حقوقيتان دوليتان في لندن من تقرير يوثق جرائم التعذيب في سجون أجهزة أمن السلطة في الضفة الغربية المحتلة، وهما المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومؤسسة مراقبة الشرق الأوسط ، حيث كشف التقرير عن وسائل تعذيب لم تكن معروفة سابقًا يستخدمها المحققون، مثل الصعق بالكهرباء ووضع بيضة مسلوقة في مؤخرة الضحية، كما يتضمن حقائق وأرقام دامغة عن التعذيب المنهجي المستمر في الضفة الغربية، وذكر التقرير أنّ الشهادات تؤكد أنّ الأجهزة الأمنية في الضفة لم تتوقف يومًا عن التعذيب، وأنّ هذا التعذيب منهجي يتمّ بقرار من أعلى مستوى.

ها هي أجهزة أمن السلطة، وهذا هو الدور المشبوه والمفضوح الذي تقوم به لحساب الاحتلال، وهؤلاء هم من لفظتهم غزة بعد أن أمعنوا في غيهم، وهذا هو ما ظهر من جرائمهم وما خفي كان أعظم.

وها هي المربية تمام أبو السعود العزيزة والكريمة والمؤمنة، التي عرت في سجنها كل سجانيها، وأسقطت في خروجها ورقة التوت الأخيرة عن سوءة هذه السلطة التي تدعي الوطنية وهي منها براء.

 

 

 

 

 

 

 

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟