أمس كنت أتحدث مع أحد الزملاء عن الثورات التي أحدثها الفيسبوك خلال الأيام الماضية في كل من تونس ومصر، وكيف استطاع أن يحشد جهوداً كبيرة من أجل عملية التغيير التي طالما ما حلم بها التونسيون والمصريون.
وقبل الحديث عن الفيسبوك لابد من دراسة مظاهر الثورة التي نضجت في تونس ومصر حتى تفجرتا، وربما يتكرر الأمر في أي بلد عربي، باعتبار أن الظروف مهيأة لأي ثورة ضد الأنظمة العربية خاصة تلك التي تسير في فلك الولايات المتحدة الأمريكية وفي ركب التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.
وسأتحدث اليوم عن الواقع في فلسطين المحتلة تحديدا، فالناظر إلى حالنا يرى أن سلطة "فتح" في الضفة الغربية - وقبل هروب موظفيها من قطاع غزة بعد الثورة الشريفة في غزة على الفاسدين-، نرى أن الوضع يتهيأ يوما بعد يوم لثورة مشابهة في الضفة الغربية وهذا الكلام ليس جزافيا وإنما بالأدلة الواقعية والبراهين التي ترسّخ مفهوم التغيير في الضفة الغربية التي لم تتغير بعد.
إن الأدلة والبراهين التي سنسوقها بعد قليل تؤكد أن الثورة على سلطة فتح في الضفة الغربية باتت قريبة جدا، خاصة في ظل الأوضاع المتدهورة التي وصلت لها القضية الفلسطينية، ونسوق الآن الأدلة والبراهين التي تدلل على ما أقول:
أولا: نعود إلى الوراء قليلا إلى اتفاقية أوسلو وأخواتها من الاتفاقيات التي قادتها السلطة الفلسطينية والتي تقودها حركة فتح، حيث وقعت السلطة تلك الاتفاقيات مع الاحتلال "الإسرائيلي" بدون العودة إلى أخذ رأي الشارع الفلسطيني أو حتى الاستفتاء عليها، وهذا ما أوجد الحنق والكراهية والبغضاء في نفوس الناس تجاه "فتح" التي ظهرت بأنها تفرط وتلعب بالقضية الفلسطينية وتتهاون في الثوابت دون أي حسيب، هذا السبب الأول.
ثانيا: ممارسة سلطة "فتح" للتنسيق الأمني مع الاحتلال "الإسرائيلي" بغض النظر عن مسمياته المتعددة، حيث أظهرت الوقائع أن التنسيق الأمني كان له دور كبير جدا في إجهاض العشرات من العمليات التي كانت تنوي المقاومة الفلسطينية تنفيذها ضد الاحتلال، وهذا الكلام باعتراف قادة الأجهزة الأمنية أنفسهم وبإقرار من قادة الاحتلال "الإسرائيلي" الذين أثنوا على ثمار التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى ذلك فإن التنسيق الأمني وصل إلى مرحلة تصفية بعض المقاومين كما بينت بعض الوثائق، والتي اعترف بها المفاوض الفلسطيني وقال: "إننا اضطررنا في بعض الأوقات إلى قتل فلسطينيين، وأعتقد أن ذلك يكون سواء بالقتل المباشر لهؤلاء المقاومين أو من خلال الإمداد بالمعلومات إلى الاحتلال من أجل تصفية هؤلاء، ويضاف إلى ذلك مساعدة الاحتلال في اعتقال مقاومين من خلال التنسيق الأمني حيث لا يزالون يقبعون خلف القضبان وها هم أحياء يرزقون، وهذا أوجد كراهية كبيرة يبديها المواطن الفلسطيني تجاه الأجهزة الأمنية التي تديرها سلطة "فتح" في الضفة الغربية وقبل عملية الحسم العسكري في قطاع غزة، وأعتقد أن أي فلسطيني لا يقبل بالتنسيق الأمني مع الاحتلال ضد المقاومة وضد الشعب الفلسطيني وأبنائه، في حين يتم إعادة المستوطنين الذين يسرحون ويمرحون في محافظات الضفة الغربية؟!!.
ثالثا: من ضمن الاعترافات التي أقر بها السيد صائب عريقات خلال حديثه مع الجزيرة بخصوص الوثائق التي نشرتها الأخيرة، واختلف عريقات والجزيرة على نسبة تبادل الأراضي حيث قالت الجزيرة رقما ولكن السيد عريقات قال رقما آخر، والشاهد أن السيد عريقات أقر بمبدأ مبادلة الأراضي وإعطاء الاحتلال أراضي في مدينة القدس المحتلة مقابل إعطاء الاحتلال للمفاوض الفلسطيني أراضي في الضفة الغربية، وهذا يمثل كارثة كبيرة أفقدت المواطن الفلسطيني الثقة في المفاوض الفلسطيني أكثر مما كانت عليه خلال الأعوام الماضية، حيث إن ذلك يعتبر انتهاكا صارخا لعقيدة الفلسطينيين الذين يؤكدون أن مدينة القدس المحتلة كاملة هي عاصمة الدولة الفلسطينية، لا أن تكون القدس "الشرقية" فقط هي العاصمة، وهذا تنازل خطير وغير مسئول، وكل ذلك يصعد من حالة الغليان على سلطة فتح باعتبارها راعية المفاوضات الفلسطينية "الإسرائيلية".
رابعا: قضية استشهاد القائد الراحل ياسر عرفات "أبو عمار"، حيث يدور الحديث أن هناك أشخاصاً معينين داخل حركة فتح نفسها هم من كان لهم ضلع في عملية الاغتيال، ومازال الشارع الفلسطيني يسأل ويقول: "لماذا ترفض حركة فتح حتى الآن إجراء تحقيق رسمي وتنظيمي جدي في عملية اغتيال أبو عمار"، وما الذي يمنع ذلك؟ هذا السؤال يسأله المواطن الفلسطيني الذي يشعر أن هناك أمراً ما يدور خلف الكواليس.
خامسا: استمرار الاعتقالات السياسية وعمليات التعذيب والشبح والقتل داخل سجون سلطة "فتح" في الضفة الغربية ما زال يؤجج الغليان في صدور الناس في الضفة الغربية تجاه السلطة، وذلك لأنها حتى هذه اللحظة لازالت تمارس الاعتقالات السياسية باعتراف قادة السلطة أنفسهم، ومازال المعتقلون يتعرضون للضرب والشبح والتعذيب في تلك السجون فيخرجون ويدخلون ثم يخرجون ويدخلون ويذوقون ألوانا من العذاب، هل كل هذا سوف ينساه المواطن الفلسطيني؟ أترك الإجابة لأولي الأفهام، ولا أريد أن أدرج أسماء من قتل في سجون السلطة في الضفة الغربية أمثال مجد البرغوثي وهيثم عمرو وأنيس السلعوس وهاني حمادنة ومحمد الحاج وغيرهم العديدون، هل تعتقدون أن الناس نسيت هذه الدماء وهذه الأرواح التي زهقت بغير حق؟.
سادسا: العديد من الشباب الذين يأكلهم الغيظ بسبب حرمانهم من الوظائف بسبب انتماءاتهم السياسية، وقبل أيام كنت أتحدث مع أحد الزملاء في الضفة الغربية ودردشنا معا حول عمله، فقال لي: "تصدق أنني أخذتها من الخمسة الأوائل على محافظتي في العلامات، ولكنني عندما ذهبت قالوا لي ليس لك وظيفة وروح دور على ربنا خليه يرزقك"، وذلك لأنه ينتمي لأحد التنظيمات الفلسطينية، هل تعتقدون أن هذا ممكن أن ينساه هو وغيره من الشباب الذين يتفوقون كل يوم ويبدعون، فيما يقابل ذلك بقتل إبداعهم وتفوقهم ودراستهم؟، بكل تأكيد هذا سيكون له أثر في ثورة عارمة ربما تقع ضد سلطة فتح في الضفة الغربية المحتلة، وأضف إلى ذلك عملية قطع رواتب الآلاف من الموظفين وحرمانهم من أموالهم ومستحقاتهم المالية، هل تعتقدون أن ذلك سيمر مرور الكرام؟ بالتأكيد لن يمر مرور الكرام وسيأتي يوم تكون لهؤلاء كلمتهم.
سابعا: الناس في فلسطين وخارج فلسطين شاهدوا كيف تمكنت حركة حماس من الفوز بالانتخابات التشريعية الأخيرة، وكل العالم شاهد كيف تعرضت حركة حماس إلى الظلم من خلال حرمانها من إعطائها حقها في ممارسة الحكم، حيث بدأت الإضرابات السياسية، وبدأت سياسة ما أسموها "ترقيص حماس خمسة بلدي"، حتى وصل الأمر إلى أن يجلس الطبيب في بيته والمعلم في منزله، في إطار محاولة إسقاط الحكومة في غزة، هذا إضافة إلى عشرات الممارسات التي تمارس بحق حركة "حماس" من أجل حرمانها من ممارسة حقها في حكم الشعب، أضف إلى ذلك تشديد الحصار عليها وإغلاق المعابر والمؤامرة في الحرب على غزة، في إطار ذلك العالم كله تعاطف مع غزة واستشاط غضبا على سلطة "فتح" التي كان لها دور بارز في المؤامرات المتلاحقة ضد قطاع غزة، فهل تعتقدون أن الناس سوف ينسون هذا؟ بكل تأكيد لا.
ثامنا: حتى هذه اللحظة مازال رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني الدكتور عزيز دويك وإخوانه النواب ممنوعين من دخول مقر مجلسهم، فتمت مصادرة حصانتهم الدبلوماسية وحرمانهم من حقهم في ممارسة حياتهم السياسية والتشريعية، وهذا يعتبره المواطن الفلسطيني يدخل في إطار سلب إرادته التي عبر عنها في الانتخابات التشريعية، فالمواطن يريد أن يرى من يمثلونه في العمل واقعا لا كلاما، ويريد أن يعيش حياة محترمة، ولكن ما يجري في الضفة المحتلة هو عكس ذلك، رئيس المجلس التشريعي والنواب يتعرضون هم وأبناؤهم للملاحقة والاعتداء وإطلاق النار والإرهاب المقصود، فالمواطن يتساءل أين هي حقوق هؤلاء النواب؟ وأين هي حصانتهم الدبلوماسية؟ سؤال أعتقد أن الإجابة عنه سهلة جدا، خاصة لأولي الأفهام.
تاسعا: حتى قضية اللاجئين المنكوبين في الضفة الغربية وفي قطاع غزة وفي الشتات تعرضت قضيتهم للعبث والاستحواذ والاستفراد، والسؤال هو: من الذي يقرر بحق هؤلاء دون أن يكون لهم كلمة؟ هل يعقل ذلك؟ إن اللاجئ الفلسطيني من حقه أن يقرر مصيره بيده، فكلهم يجمعون على حق عودتهم المقدسة إلى أراضيهم التي سرقت منهم ونهبها الاحتلال وعربدت عليها الصهيونية، ومن حقهم أن يستردوا كل شبر ضاع من أرضهم ليس إلا، فاللاجئ الذي يشاهد من يعبث بقضيته أعتقد أنه لن يسكت على ذلك وسيكون له كلمته في هذا الاتجاه.
عاشرا: قضية كبيرة أثارت زوبعة ولكن لا نريد التفصيل فيها، فهي متخصصة في نشر بعض الفضائح (وما خفي أعظم) حيث ظهر في أشرطة فيديو بثتها فضائيات عديدة، أظهرت أن قادة في السلطة متهمون في أخلاقهم، فالمواطن فقد الثقة بقادة السلطة حتى النظيف منهم أو الذي لم يمارس أي مخالفة أخلاقية.
لهذه الأسباب مجتمعة، تزداد وتيرة الغليان في الضفة الغربية، حيث إن الناس يشاهدون الظلم بعيونهم ولم يتمكنوا من التمتمة ولو بكلمة واحدة، كما كان في تونس ومصر، ولكنني أعتقد أن يوما ما سيتجرّأ هؤلاء المظلومون للمطالبة بالتغيير والثورة على الظلم والفساد على غرار ما يحدث في ثورة المظلومين والمسحوقين في تونس ومصر وربما بلدان عربية على ذات الطريق، وتبقى هذه وجهة نظر أعتقد أنها جديرة بالاهتمام.
نقلا عن صحيفة فلسطين

