تابعنا باهتمام خلال الأيام الماضية مؤتمرين هامين جداً يتعلقان بقضية الأسرى في سجون الاحتلال ،احدهما نظمته الأمم المتحدة في مقرها بفيينا بالنمسا على مدار يومين، بمشاركه العديد من المؤسسات الفلسطينية والعربية والدولية، والآخر تنظمه عدة مؤسسات وجمعيات حقوقية فلسطينية وأوربية تحت شعار "العمل من أجل العدالة" وذلك بمقر الأمم المتحدة في جنيف بسويسرا ، ويناقشان الأوضاع التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها إسرائيل بشكل مستمر وممنهج ضدهم .
وشارك في هذان المؤتمران شخصيات لها وزنها واعتبارها على الصعيد البرلماني والحقوقي الدولي، وهذا ما اعتبرناه بالفعل تحول نوعى ايجابي في العمل من اجل أنصاف قضية الأسرى التي طالما تجاهلها المجتمع الدولي، وغض الطرف عما يتعرضون له من مخالفات صريحة لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وانعقاد هذه المؤتمرات يعتبر سابقة لم تحدث من قبل تقوم بها الأمم المتحدة .
وكنا سعداء بتصريح الأمين العام للأمم المتحدة بان كى مون ولو لم يلقى على لسانه مباشرة ، ولكنه نسب إليه ودعا فيه سلطات الاحتلال لإطلاق سراح كافّة المعتقلين الفلسطينيين من سجونها ، وكذلك كلمات السفراء ومندوبي المؤسسات الدولية والإقليمية الداعمة لحقوق الأسرى والمشاركين من برلمانيين أوروبيين ، وشخصيات فاعله على الصعيد الدولي .
ولكن هل بالفعل أن تنظيم هذه المؤتمرات يمكن أن نعتبرها بداية تغيير حقيقي في الموقف الدولي تجاه معاناة الأسرى، وتكفير عن الذنب الكبير الذي اقترفه المجتمع الدولي بمؤسساته الرسمية والشعبية، بحق الأسرى من تجاهل بل وتواطؤ مع الاحتلال لذبح الأسرى بشكل بطئ ، على مدار عشرات السنين من الصمت على جرائم الاحتلال بحقهم، والتي وصلت إلى القتل العمد والمباشر بإطلاق الرصاص الحي أو بدس السم .
هل بالفعل وصل المجتمع الدولي إلى قناعه بان الاحتلال الإسرائيلي يضرب بعرض الحائط نصوص الاتفاقيات الدولية الخاصة بالأسرى وفى مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة ، ويرتكب جرائم حرب منظمة بحقهم ، وهل وصل أخيراً إلى نتيجة مفادها بأنه يجب إنصاف الأسرى الفلسطينيين الذين غُيَّب بعضهم قصراً لأكثر من 33 عام متواصلة خلف القضبان ، وتجاوز بعضهم الثمانين من العمر، وبعضهم من توفى داخل سجنه بسبب التعذيب والإهمال الطبي.
وهل سنشهد خلال الأسابيع أو الشهور القادمة، توجهاً نحو المحاكم الدولية، بما فيها محكمة لاهاي، لأدانه الاحتلال وإجباره على التعامل الإنساني مع الأسرى، وتوفير حقوقهم ووقف القمع والإرهاب والتعذيب بحقهم، وإصدار رأى استشاري قانوني باعتبارهم أسرى حرب ، ومختطفين بدون وجه حق .
أم أن ما يجرى هو مجرد حراك شكلي لامتصاص غضبة الشعب الفلسطيني، وتفاعله مع قضية أسراه خلال العامين الآخرين، ورفع تلك القضية لسلم أولوياته، والتأكيد على حق أسراه في العيش بحرية من خلال تخصيص عام للأسرى، وعقد المؤتمرات في غزة والجزائر والمغرب وغيرها من الفعاليات الأخرى في العديد من الدول العربية والإفريقية والأوربية؟ وهل أن تلك المؤتمرات مجرد خداع لتحسين صورة المنظمة الأممية وإظهار حيادها، وأنها تهتم بقضايا الأسرى الفلسطينيين ، كما تهتم بقضية شاليط، وهل التطورات التي تجرى في الوطن العربي والتغيير السريع في الأنظمة الفاسدة، له علاقة بالأمر.
نحن دائماً ننظر بعين الريبة والشك في نوايا تلك المؤسسة التي لم نعهد عليها إنصافاً للشعب الفلسطيني وقضاياه العادلة، ونراها دائماً داعماً رئيسياً للكيان سياسياً ومعنوياً ، ولكن لكي نكون منصفين، ما جرى أيا كانت دوافعه هو جيد، ولكن سنؤجل الحكم عليه، حتى نرى ترجمة حقيقية على الأرض لما صدر من توصيات لتلك المؤتمرات .
وهل سيتجرأ المجتمع الدولي أن يقف في وجه الاحتلال ليقول كفى .. هذا ما سنعرفه خلال الأيام القادمة .

