تعتبر الحالة الفلسطينية استثنائيةً فريدةً في سجل صراعات القوى الفكرية القائمة عبر التاريخ، وعلى الناظر لحلبة الصراع الفلسطيني الالتفات قليلاً للماضي لفهم المسرحية السياسية القائمة، ليجد أن هناك برنامجين ومشروعين قائمين وليس جزءان من الوطن، ففلسطين وطنٌ واحدٌ لا يمكن لأحد مهما كانت قوته أن يجزئ أو يقطع أوصالها أو أن يجرؤ على ذلك، كما سجلَ التاريخ أن بداية الانقسام ليس وليد اللحظة أو الحسم الذي حصل منتصف 2007 كما يدعي قارعي طبول مشروع التسوية، بل هو قديم قدم وجودهم، بدأ مع بداية أوسلو حينما تباينت ردود أفعال الشارع الفلسطيني على تلك الاتفاقية، فالانقسام كان بتخطيط صهيوأمريكي جاء ليمرر عبر أزقة ودهاليس صناع مشروع التسوية الذي تقوده زمرةٌ متنفذةُ القرار داخل البيت الفتحاوي، صاحب التاريخ النضالي المشرف في زمانٍ ورجالٍ وقادة عظماء غيرَ هؤلاء.
لقد كان تاريخ إعلان الاتفاقية بداية دخول منحدر الانقسام الخطير، فقد تسابق أصحاب مشروع التسوية لتعليق أغصان الزيتون على الجيبات والمواقع العسكرية لقوات لاحتلال، وتبادلوا مع جنوده القبلات والعناق والورود، الذين لم تبرد فوهات بنادقهم التي أراقت دماء عشرات الشهداء على ثرى الوطن وهذا جزء من الصورة، أما الجزء المقابل فقد وقف حماة مشروع المقاومة سداً منيعاً للحول دون غرس هذه الثقافة وتبديل التاريخ في نفوس أبناء شعبنا في الداخل والخارج، ومنذ تلك اللحظة أخذت الأمور تخرج عن نص وسيطرة المخرج بدخول المشروع المناوئ على المسرح، وظهرت المدافعة والشد بين هذين المشروعين وتبادلا الاتهامات سراً وعلناً، في وقت استند فيه مشروعهم للدعم الدولي العربي والغربي المادي والمعنوي حتى اللحظة، أما مشروع المقاومة المتمسك بالثوابت اعتمد على إرادة الشعب وصموده في وجه الاحتلال، واستمرت الأمور على هذا المنوال سنوات وسنوات، وخلالها ولفرض مشروع التسوية والالتزامات المجحفة بحق قضيتنا وثوابتنا كانت صور الانقسام المؤلم التي لا زالت عالقة في أذهان الكثيرين تتوالى سريعاً عبر الاعتقالات السياسية والملاحقات الأمنية التي طالت كوادر وقيادات المقاومة في الضفة والقطاع، وتصفية بعضهم مباشرة أو من خلف حجاب، وانشرت أوكار الرذيلة والفساد بكل صورها، ناهيك عن أخطر وأفظع ما أثر على مستقبل القضية برمتها وليس الانقسام وحده بما يسمى "التنسيق الأمني" المتواصل والدائم مع الاحتلال، وتبادل الأدوار في الزج بشرفاء الوطن وقادته في السجون والمعتقلات كأحد أهم بنود وتفاهمات تسويق مشروع التسوية، وموقفهم الرسمي من الحرب والعدوان على غزة واستمرار الحصار وإغلاق المعابر بتفاهمات ضمنية وتخطيط موحد، بهدف كسر إرادة الشعب وتحطيم قدراته وإمكانياته في مرحلة الصمود والثبات، ورغم كل ذلك تدحرج مسرح الصراع ما بين التعنت الإسرائيلي المتواصل والأمل الفلسطيني نحو سراب التوصل لدولة فلسطينية من جهة، وإصرار مشروع المقاومة بالوقوف والتصدي رغم حداثة التجربة وقلة الإمكانيات من جهة أخرى.
بدأ الانقسام الفلسطيني جلياً أمام أنظار العالم ومتابعي الشأن الفلسطيني بُعَيد انتخابات عام 2006 وفوز حركة حماس الذي سجل مفاجأة وزلزالاً أصاب المسرح السياسي في المنطقة، فتلك الانتخابات جاءت لتسويق مشروع التسوية بطريقة أخرى، وبهدف تذويب أصحاب مشروع المقاومة بالعملية السياسية، وبدأت خطوط الانقسام ترتسم في مواقف حركة فتح الذي قاطع تشكيل حكومة الوحدة التي نادت إليها حماس وتوالت التصريحات والقرارات والتهديدات سراً وعلناً لكافة الأحزاب والتكتلات بالمقاطعة رغم دعوات حماس المتكررة للجميع بتشكيل حكومة الوحدة، كما كانت التعليمات الصارمة للسفارات والقنصليات بمعظم الدول العربية بفرض وصاية المقاطعة على حماس وحكومتها، الأمر الذي شكل ذريعة وسبباً مباشراً -لا تلام عليه الدول العربية والإسلامية- بمقاطعة حماس.
إن الانقسام بلا شك صفحةٌ سوداءٌ في تاريخ قضيتنا ونضال شعبنا وتضحياته، يجب أن ينتهي وللأبد دون المس بأركان مشروعنا الوطني، وانطلاقاً من فهمنا العميق لثوابتنا وحقوق شعبنا المشروعة نأمل وكل فلسطيني أصيل بأن تصل الرسالة بأنه لن يسمح لأحد مهما كانت توجهاته أن يتلاعب بمقدرات الشعب وأن يزعزع الأمن ويضرب النسيج الاجتماعي ويغرد بعيداً عن طموح الشعب، والتي عبرت عنها حشود الجماهير الواعية – للحراك الشعبي – وفهمت ما يحاك ضد قضيتنا، واستجابت لمسيرات إنهاء الانقسام الذي توافقت عليها الفصائل، ونادت بصدق ضرورة تحقيق المصالحة، وأنه لا يمكن لأحد أن يعيش دون الآخر، ولا يمكن لأحد أن ينفي وجود الآخر، ولا بد من الجلوس على طاولة واحدة، توضع عليها جميع الملفات رزمة واحدة ويتدخل العقلاء والشباب لتسطير صفحة جديدة في تاريخ القضية، خصوصاً بعد التحولات الجذرية التي تشهدها المنطقة العربية في التغييرات والتجاذبات السياسية التي طالت بعض أركان الأنظمة التي كان يتكئ عليها أصحاب مشروع التسوية، وبعد أن انكشفت السياسة الأمريكية بتخليها مراراَ وتكراراً عن القضية داخل أروقة الاجتماعات الدولية, وتباين الموقف الدولي حيال مطالب الشعوب الثائرة في الحرية والاستقلال، وجب على أصحاب مشروع الاستلام والتسوية بعد هذه السنوات العجاف من الإفلاس السياسي الاستيقاظ من سباتهم العميق لتحقيق مصالحة حقيقية تقوم على أسس وطنية وتؤسس لمشروع الوطن الكبير.

