لم يكن يوم الخامس عشر من آذار2011م يوما عاديا في تاريخ الشعب الفلسطيني، ففي ذلك اليوم خرجت الجماهير الغفيرة في كل الأراضي الفلسطينية لتعلي صوتها، مطالبة بإنهاء الانقسام والتشرذم كطريق للتحرر من الاحتلال والحفاظ على الثوابت، مستفيدة من العظات والعبر التي استخلصتها من الثورات العربية التي تعم المنطقة، بعد أن أدركت أنها هي -أي الشعوب- وهي فقط من يمتلك القدرة على تغيير واقعها ورسم معالم حاضرها ومستقبلها.
في ذلك اليوم خرجت التحركات الشعبية في كل محافظات الوطن تقريبا تلبية لدعوات خرجت من تكتلات وتجمعات شبابية، تحت شعار وعنوان واحد " الشعب يريد إنهاء الانقسام" ، ولم تكن هذه الدعوات لتنجح لولا إدراك الجماهير الفلسطينية العريضة أن دورها قد حان للضغط على القوى السياسية للخروج من ذلك النفق المظلم الذي دخله الشعب الفلسطيني مضطرا في الرابع عشر من حزيران 2007م، وليعلن الشعب في الخامس عشر من آذار2011م، أنه عرف الطريق الذي يخرجه من هذا النفق، ليكون هذا اليوم وبحق النور الذي يُرى في نهاية نفق الانقسام.
وبغض النظر عما صاحب هذا الحراك من محاولات الالتفاف أو السيطرة عليه، وبعيدا عن تحليلات نوايا المشاركين ومحاولات الفرز التي جرت، يبقى المؤكد أن ما بعد ذلك ليس كما كان قبله، لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الإعلام ولا في سائر المجالات، إذ لا يختلف فلسطينيان على أن"15 آذار" تاريخا مفصليا في تشكيل "خارطة طريق" مستقبل الشعب ووحدته ، فالشعب قد دخل معادلة الفعل المباشر والتأثير عبر الضغط والتحشيد، متجاوزا بذلك حالة الاستكانة وانتظار الفرج المعهودة، ولا أحسب أن المبادرات التي غصت بها الساحة الفلسطينية الأسبوع الماضي إلا نتيجة مباشرة للحراك الشعبي، في محاولة من القوى السياسية للقول بأن رسالة الجماهير قد وصلت، وها نحن نرد عليها.
ولكي لا تذهب منجزات هبة جماهير الخامس عشر من آذار سدى، وحتى لا تغدو ثورة الشباب زبدا تتقاذفه الأمواج، لابد من الانتباه أن تغيير الواقع له استحقاقات على الجميع – مجتمعا وقوى سياسية وإعلاميين.._ أن يدفعوها، فالشعب الذي خرج عليه أن يفرض بداية حالة اللحمة اجتماعيا وإزالة تراكمات الانقسام على الحالة المجتمعية، فلا يعقل أن يطالب الشعب بالوحدة والوفاق وهو يعيش حالة التشرذم وعدم قبول الآخر نفسيا وعاطفيا، وليتذكر أن فلسطين أكبر من الجميع وأقدر على استيعاب تباينات المختلفين، فهي عنوان الوفاق وأساس الاتفاق، فكلنا داخل هذه الأرض وإن اختلفت مشاربنا السياسية بين يمين ويسار ومرجعياتنا الدينية بين مسلم ونصراني، نبقى فلسطينيي الانتماء والهوية علينا جميعا أن نتحلى بأدب الاختلاف ونتذكر دائما أن وحدة الهدف هي ما يجمعنا.
وعلى الإعلاميين الذين كانوا سببا في إذكاء نار الفرقة والانقسام، وتباهوا بانحيازهم وعدم مهنيتهم وتخليهم عن مسئوليتاهم الاجتماعية والوطنية، عليهم أن يعيدوا حساباتهم، ويصطفوا إلى جانب إرادة الشعب وينحازوا إلى صوت الوحدة، سيما بعد أن اكتووا بالنار التي أذكوها وأصبحوا يدفعون ضريبة مواقفهم وتعاطيهم الغير موضوعي لحساب هذا الطرف أو ذاك.
أما القوى السياسية فعليها أن تدرك أن عصر الشعوب قد بدأ، ومع أول من نطق بجملة الشعب يريد.. أصبح لزاما على القوى السياسية أن تمتثل لإرادة ورغبة الشعب الذي يريد الوحدة طريقا لإنهاء الاحتلال، ويريد التمسك بالثوابت وعدم التفريط، كما يريد العيش الكريم والعدالة الاجتماعية ومحاسبة المفسدين.
من هنا نقول للقيادات الفلسطينية سياسيين وإعلاميين وقوى مجتمعية، انتبهوا فقد أسمعكم الشعب صوته وبدأ يدير عجلة التغيير التي لن تعود للوراء، بعد أن أصبح هو الممسك بدفة التوجيه، لذا عليكم أن تفهموا إن روح الثورات العربية التي سرت في الجسد الفلسطيني، وإن غايرتها بالطلب بتوحيد النظام والكلمة لا بإسقاطه، ولملمة الأجزاء المتفرقة بين ضفة وغزة، فإنها أي الثورة تبقى فعلا غير محكوم لا في الاتجاه ولا في القوة، وبقدر امتداد فترة صبر الشعوب واصطبارها زمنيا، بقدر ما تكون ثوراتها سريعة وغير مستوعبة، فالشعب حقا يريد مبادرة رئيس الوزراء إسماعيل هنية، كما يريد استجابة الرئيس محمود عباس بالقدوم إلى غزة، ولكنه يعلم يقينا أن ما يريده فعلا وعاجلا هو إنهاء الانقسام بالمصالحة وإعادة الثقة واللحمة بين شطري الوطن، وعسى أن يكون ذلك قريبا.

