على مدار أربعة أعوام انشغل الرأي العام الفلسطيني والنخب الفكرية والسياسية والمجتمعية، بالحديث عن الانقسام وإفرازاته، واستفاض الجميع في تحليل أسباب الانقسام وعوامل الفرقة والتشرذم التي لحقت بالحالة الفلسطينية منذ أحداث حزيران 2007م، وكان لكل متابع ومهتم رؤيته الخاصة ونظرته الذاتية في شرح هذه الحالة التي يتفق الجميع على كونها، طارئة وغريبة على الواقع الفلسطيني، وحتى المواطن الفلسطيني الذي سكت طويلا أدلى بدلوه في كرنفال الانقسام، وخرج إلى الشارع بعد أن ضاق ذرعا بحالة المناكفة والفرز والاستقطاب التي يدفع الكل الفلسطيني ضريبتها نتيجة الانقسام.
في المبدأ يتفق الجميع على ضرورة إنهاء الانقسام وعودة اللحمة إلى شطري الوطن، ولكن في التفاصيل وكما يقول عزام الأحمد "نجد الشياطين تتربص" ولكل وجهة نظر، فهذا يرى أن ما يعيق المصالحة الفيتو الأمريكي والتدخلات الخارجية، في حين يؤمن آخر بوجود أجندات إيرانية وسورية أو حتى قاعدية نسبة لتنظيم القاعدة، وذاك يعتبر أن الانتخابات بشقيها المدخل المناسب لإنهاء الانقسام، فيما يرى آخر ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية، وثالث يعتقد بوجوب تشكيل حكومة كفاءات مهنية أو تكنوقراط.
وفي المحصلة تكثر الرؤى وتتعدد وجهات النظر، ويبقى الانقسام على حاله، بل ويزداد تجذرا ورسوخا في نسيج المجتمع، الذي مرت عليه أحداث جسام عبر سنوات الفرقة والضياع، اعتقد أنها سوف تؤدي لإنهائه، وإذا بها تزيده تعميقا، فمن حرب صهيونية ظالمة، طالت بقسوتها وتدميرها مختلف مناحي الحياة في قطاع غزة، إلى سقوط أنظمة وحكومات عربية نتيجة ثورات شعبية، مرورا بعشرات الجولات من التفاوض وجلسات الحوار تحت الرعاية المصرية، والتي أفضت للخروج بورقة مصالحة مجتزأة لم توافق عليها بعض الفصائل، وأخيرا جاء دور الشعب الفلسطيني ليخرج إلى الشارع بالآلاف، معلنا نفاد صبره وعدم مقدرته على تحمل المزيد من التسويف والمماطلة، مطالبا بضرورة إجراء المصالحة والانتهاء من ترتيب البيت الداخلي، ليتم بعد ذلك التفرغ لاستحقاقات الخلاص من الاحتلال ودعم كافة أشكال المقاومة الممكنة.
قلنا أن المبدأ لدى الجميع واضح لا لبس فيه، بضرورة إنهاء هذه الحالة الطارئة التي عصفت بالقضية الفلسطينية وزادتها وهنا على وهنها وضعفا على ضعفها، ولكن الخلاف كان دائما في التفسير والتأويل، ومرد ذلك في أغلب الظن لانحسار وجهات النظر في رؤية تداعيات الانقسام والوقوف عندها طويلا، والخلط بين ما هو مسبب للانقسام وما هو ناتج عنه، وربما يأتي ذلك بحكم المعايشة ووقوع الجميع تحت نائبة السلبيات الناجمة عن الانقسام، فعندما يتحدث البعض عن إنهاء الاعتقالات السياسية والحد من التضييق على الحريات العامة والخاصة، ووقف التواطؤ الأمني وإجراء الانتخابات التي شكل عدم الاعتراف بها سببا من أسباب الانقسام، وغير ذلك من القضايا الهامة بالتأكيد ولكنها في جوهرها تشكل أحد تجليات وتداعيات هذا الانقسام.
لذا لابد من الاقتناع أنه من الصعوبة بمكان إنهاء هذا الانقسام دون العودة لمسبباته وهي سابقة لما جرى في حزيران 2007م، فلا يمكن لشعب تحت الاحتلال أن يواجه مخاوفه الداخلية أولا، ومن ثم يواجه محتله وانتهاكاته ثانيا، إلا في إطار مشروع وطني توافقي واحد يتحسس كل السبل الممكنة والواقعية لتحقيق أهدافه، فالمقاومة العسكرية هي العنوان حينما تكون ممكنة ومجدية بما يتوافق وظروف المرحلة، وتكون المفاوضات عندما تتوفر شروطها في إطار الإستراتيجية المتفق عليها، فلا تناقض ما بين النهجين بمفهومهما الوطني الشامل، وهذا ما افتقدناه من قبل أن يتجسد الانقسام غولا يتسبب في إراقة الدماء وإزهاق الأرواح، ليدفع الجميع ضريبة الانقسام في الموقف والخلاف في الرأي، دونما إستراتيجية جماعية لمتطلبات الحد الأدنى من الاتفاق.
وخلاصة القول أن وضع حد للانقسام والفرقة لن يأتي إلا بالرجوع لأسبابه وجذوره وهي سابقة لأحداث 2007م، فالانقسام أساسا يكمن في غياب إستراتيجية وحدة وطنية، والمصالحة لن تكون إلا بالاتفاق على الثوابت الوطنية ودعائم المشروع الوطني التحرري دون إسقاط الحق بالمقاومة على اختلاف أشكالها.

