أخبار » مقالات

نموذجان أمنيان متضادان!

05 أيلول / أبريل 2011 09:16

في دراسة حديثة أصدرها مركز كارنيغي للسلام الدولي، وقام بإجراءها البروفيسور يزيد الصايغ أستاذ دراسات الشرق الأوسط في دائرة دراسات الحرب في كلية "كنغز" البريطانية، قارن الباحث بين واقع ودور ومهام قوى الأمن التابعة لكل من الحكومة في غزة وللسلطة في رام الله، وخلص الباحث المشهود له بالمهنية والاحتراف والنزاهة إلى عدة نتائج هامة، لابد من النظر إليها بتمعن وتجرد وقراءة دلالاتها قراءة متأنية متبصرة للمصالح الوطنية العليا، بعيدا عن روح المناكفة والاستقطاب الحزبي والفئوي التي وسمت الحالة الفلسطينية خلال مرحلة ما بعد الانقسام، وأقول نظرة متمعنة ومتجردة نظرا لأهمية وأثر النتائج التي خلصت إليها الدراسة، وإمكانية ربطها مع واقع ما تعيشه غزة والضفة، وصولا لتفسير وتبرير العديد من المواقف التي ظلت ملتبسة ويصعب فهمها.

وأبدأ بما انتهى إليه الباحث في دراسته من تساؤلات وصفها بالمحرجة، وتفرض نفسها في حال تمت إعادة توحيد قطاع الأمن في الضفة وغزة، وأولاها: ما هو مبرر إعادة المنتسبين إلى قوات الأمن في غزة، ممن تقيدوا بسياسة "التزام المنازل" إلى الخدمة الفعلية، طالما أن قطاع الأمن الذي تقوده الحكومة في غزة أثبت أن معظم الأفراد الغائبين فائض عن الحاجة؟!.

أما ثاني الأسئلة التي طرحها الباحث فكانت: لماذا مالا يقل عن 40% من القيمة الاسمية للمساعدات الغربية لقوات أمن حكومة فياض تذهب إلى النفقات التشغيلية للمانحين وأرباح الشركات والوكالات المتعاقدة والأجور واليوميات للمستشارين الأجانب؟!.

وثالث التساؤلات: ما المبرر الذي يمكن تقديمه لاستبدال أو إخضاع وزارة الداخلية في غزة، والتي تعمل كوزارة حقيقية وقادرة على تقديم الخدمات الفعالة بنظيرتها الفاشلة في الضفة الغربية؟! على حد وصف الباحث.

هذه التساؤلات جاءت بعد أن استعرض الباحث العديد من معايير المقارنة والمفاضلة بين قوى الأمن في الضفة وغزة، ومنها الدعم الخارجي وعلاقته برسم السياسات والبرامج لهذه القوات، تجاوز العقبات والإصلاحات في بنية وهياكل هذه الأجهزة، تسلسل القيادة وآلية اتخاذ القرار والرقابة.

وقد رسمت الدراسة ملامح الواقع في الضفة وغزة عبر المقارنة بين قوى أمنية فقدت بوصلتها الوطنية وارتهنت للدعم والتوجيه والإشراف الخارجي، فأخضعت له سياساتها وبرامجها وأدائها، بعيدا عن المهام التي من واجبها القيام بها في خدمة المواطن وحفظ أمنه الداخلي والخارجي، منتجة ما أسماه المنسق الأمريكي السابق دايتون "بالفلسطيني الجديد" الذي وافق على التخلي عن انتماءه ووطنيته مقابل ما يقارب 956 مليون دولار أمريكي تصرف سنويا لهذه الأجهزة من الدول المانحة للقيام بدورها الشرطي خدمة للاحتلال وحفظا لأمنه.

في حين خرجت أجهزة الأمن في غزة من رحم المقاومة، رافعة شعار "لا للتدخل الخارجي"، فأصبحت هي وحدها التي تحدد هدفها واتجاهها حسب سياسة الحكومة، بما انعكس على نجاحها في تشكيل نظام متكامل ومترابط، نجح في إنهاء الفوضى المسلحة والفلتان الأمني اللذين سادا سابقا في قطاع غزة، ورسخت مفهوم التسلسل القيادي الواضح، في موازنة حكومية كاملة لم تتعدى 132 مليون دولار.

وللإجابة على التساؤلات التي أوردناها في مقدمة المقال، اقتبس جزء مما قاله الباحث في ثنايا دراسته  "الفلسطينيون في الضفة لا يسيطرون على قطاعهم الأمني، لا وزارة الداخلية ولا فياض ولا الرئيس"، والسؤال إذن من المسيطر على أجهزة الأمن في حكومة فياض؟! يضيف الصايغ: "إن منسق الأمن الأمريكي وبعثة الشرطة الأوروبية وبعض الأجهزة الأمريكية مثل وكالة الاستخبارات الأمريكية هي التي تتحكم بأهداف وأولويات ومحتوى وتطوير قطاع الأمن في الضفة"!!.

وخلاصة ما يمكن استنتاجه من هذه الدراسة أننا نقف أمام نموذجين أمنيين متباينين متباعدين كل البعد، بل ويسيران على خطان متضادان لا يمكن لهما اللقاء، إلا إذا تخلى احدهما عن نهجه وعقيدته وأولويات عمله، فهل تعيد السلطة في رام الله حساباتها من جديد؟! نأمل هذا. 

 

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟