أخبار » مقالات

من المصالحة إلى الاصطفاف خلف عباس

18 أيلول / مايو 2011 12:29

بينما يتطلع الفلسطينيون بشغف إلى نجاح جهود المصالحة الوطنية، يتهيأ المشهد السياسي الفلسطيني لحدث جلل، وتقترب قضية فلسطين من نقطة تحول خطيرة، حيث سيجد الفلسطينيون أنفسهم عندها بين خيارين اثنين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لشروط نتنياهو، وإما العودة إلى مرحلة ما قبل عملية أوسلو.

وفي هذا الصدد، لا يجوز تكميم الأفواه بذريعة التفاؤل بالمصالحة أو الحرص على عدم تسميم أجوائها، فنحن نشهد اليوم تهيئة واستعداداً محمومين لعملية سياسية هي الأخطر على قضية فلسطين، ويقود هذه العملية محمود عباس بمواكبة المصالحة، مستغلاً الرغبة الشعبية في التصالح ورأب الصدع لتمرير خطته التي تقوم على التفاوض مع الصهاينة على ثوابت الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته وحقوقه، وخصوصاً بعد أن توج عباس نفسه ملكاً على جميع الفصائل غداة الاحتفال بالتوقيع على المصالحة في القاهرة.  ولذلك فنحن في أمس الحاجة اليوم لتوعية الشعب الفلسطيني بما يُخطط له ولقضيته، ولحشد الرأي العام الفلسطيني والعربي ضد الحلول الاستسلامية التي تهدف إلى تصفية القضية وفقاً للرؤية الصهيونية.

ينظر المؤيدون للتسوية السياسية لقضية فلسطين إلى المصالحة على أنها فرصة لتوحيد الشعب الفلسطيني في مواجهة التعنت الصهيوني، هذا إن أحسنا الظن بهم وبنظرتهم، وهي نظرة خاطئة بالتأكيد، ويقصد بها التضليل والتخدير، لأن التعنت الصهيوني لا يخففه اصطفاف الشعب الفلسطيني خلف عباس، الذي اتخذ التفاوض مع الصهاينة خياراً وحيداً له، والذي أبدى استعداداً للتفاوض على حق شعبنا في عودة اللاجئين وغيرها من الحقوق، وأسقط حق شعبنا في المقاومة المسلحة للعدو الصهيوني.  فاصطفاف الفصائل وراء عباس يزيد من التعنت الصهيوني على النحو الذي نلمسه من تصريحات نتنياهو مؤخراً حول شروط استئناف التفاوض مع عباس.  ومن ناحية أخرى، يستطيع الكيان الصهيوني إفشال أي مشروع للتسوية لا يتفق مع رؤيته ومخططاته حتى وإن حظي بتأييد أممي، فالولايات المتحدة تقف إلى جانب الكيان الصهيوني وقوفاً أعمى، وتؤمن بأن مسألة الدولة الفلسطينية التي يتضمنها مشروع عباس يجب أن تترك للتفاوض بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني، ولا تسمح للأمم المتحدة أن تضغط على الكيان الصهيوني من أجل إرضاء عباس أو الشعب الفلسطيني.  وكذلك الأوروبيون، الذين يتحكمون في الرواتب والأموال المسيسة التي يقدمونها إلى سلطة أوسلو.

وبينما يضغط ما يسمى المجتمع الدولي على حماس من أجل تغيير أيديولوجيتها والتخلي عن خيار المقاومة، لا تبدي حكومة نتنياهو أية مرونة في التعامل مع مشروع عباس للحصول على اعتراف أممي بدولة فلسطينية، بل يزداد العدو الصهيوني تشدداً وتعنتاً، ويصر على تبديد طموحات الشعب الفلسطيني وتطلعاته، محاولاً استغلال هرولة عباس نحو التفاوض في الحصول على مزيد من التنازلات، ولا سيما التنازل عن عودة اللاجئين والسيادة على القدس، وغيرها من قضايا جوهرية سيادية، إضافة إلى إجبار سلطة أوسلو على الاعتراف بما يسمى "يهودية الدولة"، وما سيؤدي إليه هذا الاعتراف من تهجير لفلسطينيي الداخل المحتل منذ 1984.

لذلك لا بد من التمييز بين المصالحة وبين الاصطفاف وراء عباس، فالمصالحة لا تبرر لعباس نهجه التفاوضي، ولا تفوض إليه التعبير عن خيار الشعب الفلسطيني وتطلعاته.  كما أن التفاوض الذي لا يستند إلى قوة السلاح مضيعة للوقت، كما أثبتت العشرون سنة الماضية، والتفاوض يعبر عن ضعف الشعب الفلسطيني أمام الآلة العسكرية الصهيونية المدعومة أمريكياً وأوروبياً في ظل تواطؤ رسمي عربي مستمر، ولا سيما أن شعبنا، مع الأسف الشديد، يعيش على التبرعات المشروطة والأموال المسيسة.

وأخيراً، أخشى أن يمكن الاصطفاف وراء عباس الكيان الصهيوني من استغلال المصالحة الوطنية الفلسطينية من أجل تحقيق مآربه ومخططاته وأطماعه، تماماً كما استغل الانقسام الداخلي الفلسطيني من أجل تحقيقها ذاتها.  وأخشى أن يقودنا عباس إلى طريق مسدود لا نملك عنده إلا العودة للمقاومة بعد أن نكون قد خسرنا الكثير، ويكون عدونا قد كسب الوقت والهدوء!.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟