استخدمت اسرائيل نظاما سريا لسحب هويات الاقامة من الفلسطينيين الذين سافروا من الضفة الغربية الى الخارج. وحسب هذا النظام، الذي استُخدم بين أعوام 1967 و1994، فان الفلسطيني الذي عاش لثلاث سنوات ونصف خارج البلاد فقد حقه في العودة الى الضفة – إلا اذا كان مدد مدة مفعول "تصريح الخروج" الذي تلقاه. ومن خلال هذا النظام سحبت دولة اسرائيل حق الاقامة من 140 ألف فلسطيني على مدى 27 سنة. تفاصيل النظام وعدد الفلسطينيين الذين سُحب حقهم في الاقامة تُفصل في وثيقة وضعها مكتب المستشار القانوني في قيادة يهودا والسامرة ووصلت الى "هآرتس".
وكانت الوثيقة وضعت بناء على طلب مركز حقوق الفرد "هموكيد" الذي استند في طلبه الى قانون حرية المعلومات. ويُفهم من الوثيقة أنه حتى اتفاق اوسلو، فان أحد سكان الضفة الذي سافر الى خارج البلاد عبر الاردن كان مطالبا بأن يُسلم بطاقة هويته في معبر الحدود، وبالمقابل كان يحصل على "تصريح خروج". هذا التصريح كان ساري المفعول لثلاث سنوات، ولكن كان يمكن تمديد فترته لثلاث مرات، بسنة كل مرة. وحسب هذا النظام، اذا لم يعد الفلسطيني بعد نصف سنة من انتهاء مفعول تصريحه، كان المراقب في معبر الحدود يبعث بوثائقه الى ضابط الاركان في الداخلية – كما سُمي في حينه المسؤول عن السجل السكاني – أو الى مديرية مكتب السجل المدني. المقيم الذي لم يعد يُسجل كـ "كف عن ان يكون مقيما".
ويُفهم من الوثيقة انه كان للمقيم المتأخر امكانيتان للعودة الى الضفة بعد انتهاء مفعول تصريح خروجه: العودة دون وضع مصاعب في غضون نصف سنة من نهاية السنوات الثلاث الاولى، في حالة عدم تمديد التصريح؛ رفع طلب الى لجنة المتأخرين لتجديد التصريح؛ ولا يوجد في الوثيقة المفصلة أي ذكر لاجراء تحذير أو اخطار مسبق للفلسطينيين الذين انتهى مفعول تصريحهم.
في مركز حماية الفرد "هموكيد" قالوا أمس انهم كانوا يعرفون بوجود نظام ما في هذا الشأن، ولكن تفاصيله وعدد الفلسطينيين الذين سُحب منهم الحق في العودة من خلاله بقيت خفية. أحد رؤساء الادارة المدنية في التسعينيات فوجيء عندما سمع من "هآرتس" بوجود هذا النظام. وحتى اللواء احتياط داني روتشيلد، الذي شغل منصب منسق شؤون الحكومة في المناطق بين أعوام 1991 و1995، قال انه سمع بالنظام لاول مرة من "هآرتس" رغم انه كان يُستخدم في زمنه.
وقال روتشيلد أمس انه "اذا لم يرفع النظام الى علمي، فانه يمكن ان يُفهم من ذلك انه لم يُرفع الى علم سكان المناطق، الذين كانوا مطالبين بأن يمددوا فترة تصريح خروجهم كي يحافظوا على حقهم في العودة.
وحسب مكتب الاحصاء المركزي الاسرائيلي، فانه في 1994 كان يعيش في الضفة الغربية مليون وخمسين ألف فلسطيني. ومن هنا يُفهم أن عدد الفلسطينيين الذين كانوا سيحملون في 1994 هوية مقيم أكبر بنحو 14 في المائة لولا هذا النظام. وتجدر الاشارة الى أن الفلسطينيين الذين هاجروا من الضفة بعد اقامة السلطة الفلسطينية حافظوا على حقهم في الاقامة، حتى لو لم يعودوا حتى اليوم. وهكذا مثلا، فانه منذ بداية الانتفاضة الثانية حتى 2007، ترك الضفة 250 ألف فلسطيني.
اليوم يُستخدم نظام مشابه على سكان شرقي القدس الذين يحملون بطاقات هوية اسرائيلية. وحسب هذا النظام فان الفلسطيني الذي انتقل من شرقي القدس الى خارج البلاد وغاب عن المدينة لسبع سنوات، يفقد حقه في العودة اليها.
بين الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم في مكانة "كف عن ان يكون مقيما" يوجد طلاب أنهوا دراستهم في خارج البلاد، وكذا رجال اعمال وعمال سافروا للعمل في دول الخليج. وعلى مدى السنين أقام الكثير من المغادرين عائلات، بحيث أن عدد الفلسطينيين الذين كفوا عن ان يكونوا مقيمين وأنسالهم لا بد يصل اليوم الى مئات الآلاف. ومع ذلك، فالكثيرون منهم لا بد توفوا. ويفهم من وثائق مكتب المستشار القانوني ليهودا والسامرة ان 30 ألف فلسطيني ممن تقرر انهم كفوا عن ان يكونوا مقيمين اجتازوا سن المائة. من 140 ألف فلسطيني اعتبروا كمن كفوا عن ان يكونوا مقيمين يجب ان يُحسم بضعة آلاف أقرباء لاجهزة السلطة ممن حصلوا على الاذن بالعودة ابتداء من 1994، والفلسطينيين الذين عادوا بعد ذلك باذن. اليوم مسجل 130 ألف فلسطيني كمن كفوا عن ان يكونوا مقيمين.
مع سكان الضفة الذين تقرروا كمن كفوا عن ان يكونوا مقيمين يوجد ايضا شقيق المسؤول الكبير في م.ت.ف، صائب عريقات، الذي سافر في تلك الفترة للدراسة في الولايات المتحدة وهو يعيش حتى اليوم في كاليفورنيا. وروى عريقات بأنه تعلم درسا من تجربة شقيقه، وفي فترة دراسته في الولايات المتحدة، حرص على ان يعود بين الحين والآخر الى المناطق كي لا يفقد هو الآخر حقه في العودة.
وجود نظام الكف عن ان يكون المسافر مقيما عرف بالصدفة من رجال مركز "هموكيد" لحقوق الفرد في اثناء استيضاح قضية احد سكان الضفة المحبوس في اسرائيل. فقد بلغت الادارة المدنية أبناء عائلة السجين بان بطاقة هويته "لم تعد فاعلة". وفي أعقاب توجه "هموكيد"، أعلن المستشار القانوني لمنطقة يهودا والسامرة أن هذا خطأ في تفعيل سياسة المسؤول عن السجل السكاني. وفي كتاب ارسل الى المحامي عيدو بلوم من "هموكيد" اشار المستشار الى أنه بقدر ما هو معروف، تبين أن فقط ثلاثة من السكان كانوا ذوي مكانة "كف عن أن يكون مواطنا" في الوقت الذي احتجزوا قيد الاعتقال او في السجن، وانه في أعقاب المكتشفات اصلح الخلل، وتم تغيير مكانتهم ليكونوا مقيمين فاعلين. وحسب أقواله، فان تعريفهم كمن فقدوا حقهم في الاقامة لم ينبع من سياسة، بل من خطا فني، ولم يكن في ذلك أي صلة بحبسهم.
وأفاد مركز "هموكيد" أمس بان "سحب الاقامة الجماعي من عشرات الاف السكان من الضفة الغربية والذي يعني طردهم الى الابد من وطنهم كان ولا يزال سياسة ديمغرافية مرفوضة، تشكل اخلالا خطيرا بالقانون الدولي. اضافة الى ذلك يوجد عدد غير معروف من سكان قطاع غزة ممن سحبت اسرائيل مكانتهم بشكل مشابه. هذا المعطى لا يزال قيد السر ونحن سنعمل على كشفه. يجدر بدولة اسرائيل أن تصلح بشكل فوري الظلم المتواصل، وتعيد لكل اولئك الفلسطينيين مكانتهم وتسمح لهم بالعودة مع عائلاتهم الى وطنهم".
المصدر : يافا نيوز – 11-5-2011

