المصالحة الحقيقية هي التي تنهي مظاهر الانقسام الداخلي، وتزيل معاناة الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة الناجمة عن الانقسام، وتضع حداً للابتزاز السياسي الذي يتعرض له شعبنا، فيشعر بها في حياته على أرض الواقع، وينشرح لها صدره، ويشعر أنها تخدم قضيته المصيرية الكبرى، قضية فلسطين، ولكن الواقع يقول عكس ذلك، فلا يزال شعبنا في الضفة وغزة يعاني من الحصار، وإغلاق المعابر، والاعتقال السياسي، وتأخر الرواتب، وغيره من الابتزاز الذي يبدد الآمال بقرب الخروج من دوامة الانقسام.
ندرك جيداً أن هناك ضغوطاً خارجية صهيونية وأمريكية لعرقلة المصالحة، ولمساومة الشعب الفلسطيني على ثوابته وكرامته، ولكن علينا أن نرفض هذه الضغوط ونقاومها متحدين. والاستجابة لهذه الضغوط يشكك في مصداقية الطرف الفلسطيني الذي لديه قابلية للابتزاز السياسي وللمساومة على الثوابت والكرامة، والذي لا يملك إرادة سياسية حقيقية يواجه بها ضغوط الأعداء على شعبنا. ولا أستبعد أن يهدف هذا الطرف من وراء المصالحة إلى فرض نهجه السياسي المرفوض على الشعب الفلسطيني.
ولذلك فما نشهده اليوم من حراك سياسي في سياق الجهود الرامية إلى تحقيق المصالحة، وما نلمسه على أرض الواقع في الضفة وغزة، يؤكد أن هذه المصالحة ليست حقيقية، وإنما هي حل سياسي فاشل لمشكلة فلسطينية – فلسطينية معقدة ومزمنة لها أبعادها الإقليمية والعالمية، ويقوم هذا الحل على أساس المحاصصة الحزبية، وهو ما لا ينهي الانقسام. هذه المصالحة، بالشكل الذي نراها عليه، لن تنجح، وأرجو أن أكون مخطئاً في رأيي هذا، وذلك لأن هذه المصالحة لا تقوم على أرض صلبة، وإنما تقوم على رهانات سياسية يتحكم بها الاحتلال الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا فهم يتحكمون في نتائجها، بل يستطيعون إفشالها بسهولة.
وهنا لا بد من التأكيد على أن مشكلتنا الأساس هي الاحتلال الصهيوني لفلسطين، ولا مناص لشعبنا من المعاناة والحصار والنزاعات السياسية الداخلية إلا بإزالة الاحتلال، ولن تنجح المصالحة وسيبقى الانقسام والمعاناة ما بقي في شعبنا من يؤمن بالتسوية السياسية، التي تقوم على التفاوض والتنازل، ويجر شعبنا خلفه من أجل إقامة دولة فلسطينية لا تتجاوز حكماً ذاتياً محدوداً، على جزء قليل من فلسطين، دون أية سيادة حقيقية.
جُل الشعب الفلسطيني يريد المصالحة، ولكن فقط المصالحة الحقيقية، دون ابتزاز سياسي، ودون سمسرة، فشعبنا لا يزال متمسكاً بثوابته، ساعياً إلى تحرير أرضه من بحرها إلى نهرها، وإقامة دولة فلسطينية تؤوي جميع أبناء الشعب الفلسطيني، وتكون وطناً قومياً لهم.

