يعرف بعض علماء الإدارة والتنمية البشرية الإبداع بأنه القدرة على الإحساس بوجود مشكلة تتطلب المعالجة ومن ثم القدرة على التفكير بشكل مختلف ومبدع ومن ثم إيجاد الحل المناسب.
هذا ما جال في خاطري وأنا أتابع ما عرضته وزارتا الاقتصاد الوطني والأشغال العامة والإسكان من مقترح ورسم هندسي وتصور أولي لمشروع أكبر معلم تجاري على مستوى قطاع غزة، والمنفذ على أرض مجمع "السرايا الحكومي" سابقًا.
ذلك المبنى الذي أنشئ في ثلاثينات القرن الماضي إبان الاحتلال البريطاني وعاصر غزة لحقبة امتدت لأكثر من سبعين سنة، كانت خلالها السرايا مقراً رئيساً لسلطات متعاقبة على حكم قطاع غزة، بدء بالبريطانيين وصولاً إلى عام 1948، حيث خضع قطاع غزة للإدارة المصرية، وكانت السرايا مقراً للحاكم العسكري المصري والدوائر الحكومية، ومن ثم احتلت إسرائيل القطاع في العام 1967، وجعلته منطقة عسكرية تتبع الحاكم العسكري وتضم المرافق الأمنية، كما تم توسيع السجن ليكون السجن المركزي به مقر للتحقيق في القطاع، فضلاً عن ربط مقر "السرايا" بمجمع "أبو خضرة" الحكومي بجسر حديدي معلق، وصولاً إلى إقامة السلطة الفلسطينية عام 1994، حيث كانت مقراً للأجهزة الأمنية، كالأمن الوطني والاستخبارات العسكرية وسجناً مركزياً، واستمر كذلك إلى أن دمر الاحتلال معظم أجزائه خلال حرب الفرقان.
كل هذه التفاصيل وغيرها من قصص المعاناة والاضطهاد التي رويت عما كان يجابهه المجاهدون والمناضلون في أقبية وزنازين هذا المكان، مرت في ذهني سريعا وأنا أتفحص المخططات والرسومات الهندسية المستقبلية لما ستكون عليه السرايا مستقبلا، فالسجون تبدلت بالحدائق والمنتزهات، وأقبية التعذيب أحيلت لمجمع تجاري هو الأضخم، والأسوار شيدت بدلا منها أبراج تجارية، وغرف التحقيق أصبحت محكى تاريخي تضم متحفا ومركزا ثقافيا.
وإذا كان الإبداع هو ما ذكرناه آنفا، فإن ما نقف أمامه من مخططات وما سبقها من عمل، إنما يدلل على عبقرية منقطعة النظير، فمن وسط الركام والمباني المهدمة ومن بين أنقاض المقرات المقصوفة، تجلت روح الإبداع والابتكار الفلسطينية لتحول هذا المعلم الذي كان لفترات طويلة رمزا للظلم والاستبداد والاستعباد، وشهد مراحل كانت الأسوأ في تاريخ غزة عبر الزج بالمقاومين والفدائيين وحتى المدنيين في هذا السجن، لتمارس ضدهم أشد أنواع وطرق التعذيب وسوء المعاملة.
ظهرت فكرة إزالة السرايا وتحويلها إلى مرافق مدنية قبل الحرب بعدة شهور ، اثر صدور قرار الحكومة الفلسطينية بإزالتها ونقل مقرات الأجهزة الأمنية لمناطق أخرى خارج المدينة، واستبدالها بمرافق عامة ومنتزهات، وبعد أن دمرت الحرب كامل المكان تقريبا وأتت على المقرات بداخله، برزت الفكرة من جديد لتتجلى العبقرية وروح الإبداع الفلسطيني في عدة صور:أولاها، أن هذا المعلم التاريخي الذي شكل عبر تاريخه رمزا للإذلال وعنوانا للظلم يسقى فيه الفلسطيني كؤوس القهر والتعذيب، أضحى اليوم معلما ترفيهيا ومزارا سياحيا مع احتفاظه بسمته التاريخي عبر المتحف والمركز الثقافي الذي سيحفظ تاريخ المكان ويؤرخ لغزة وما عاصرته في سنوات عمر السرايا.
وثاني صور الإبداع والتحدي تتجلى في تحويل الدمار لانتصار والركام إلى عمران وبنيان، فبعد تدمير السرايا نتجت كمية مهولة من الركام الذي يعد مشكلة بذاته سواء في إزالته ورفعه أو في نقله وتصريفه إلى مرادم خاصة، ولكن روح الإرادة والإبداع عادت لتخرج من الدمار بناء ومن الركام عمار، فرأينا إعادة تدوير هذه الأنقاض واستخدامها من جديد في عملية البناء لتحل جزء من أزمة السكن في ظل الحصار.
أما ثالث جوانب الإبداع فهي الإرادة الصلبة من حكومة لا تعرف كلمة المستحيل والعزيمة القوية التي لا تلين في وجه كل التحديات والظروف الصعبة، فتصنع من الأوقات الحالكة نورا وضياء، وترى الأمور بايجابياتها وتحسن الظن بالله والتوكل عليه، فتعمل بجد وإخلاص وتفاني رغم نقص الإمكانات وضعف القدرات.
ولعل أحد أهم أوجه الإبداع في هذا المشروع كونه مشروعا تنمويا نهضويا سيوفر الكثير من فرص العمل في البناء والتشييد أو الإدارة والتسويق، بما يساعد في حل مشكلة البطالة عبر مئات وربما آلاف فرص العمل.
كثيرة هي صور الإبداع في هذا الصرح ومتعددة جوانب الإرادة والعزيمة في تحقيق هذا الحلم، ولكن كلمة حق يجب أن تقال لكل من ساهم وشارك وخطط وأنجز ووضع تصورات العمل لهذا المشروع التنموي الطموح..لقد خططتم فأحسنتم التخطيط وأبليتم البلاء الحسن حتى الآن، والله نسأل أن يكتب لكم التمام وانجاز هذا المشروع لنراه عن قريب واقعا ملموسا، ويكفيكم أن التاريخ سيخلد ذكركم ما بقي هذا الصرح.

