ما أن تواردت الأنباء حول عملية أم الرشراش البطولية، جنوب فلسطين المحتلة، والإعلان عن مقتل وإصابة عدد من الصهاينة، حتى سارع الاحتلال وحكومته وعبر مستويات عديدة، إلى تحميل غزة المسئولية عن العملية، والادعاء بقدوم منفذيها من داخلها عبر الأراضي المصرية، بل وحددت جهات وفصائل فلسطينية بعينها وحملتها المسئولية المباشرة، في حين توعدت قطاع غزة بأكمله بما أسمته "رد مؤلم".
ومما يثير الدهشة والاستغراب أن تأتي هذه الاتهامات وتلك الادعاءات في وقت مبكر جدا وقبل الحصول على أي معلومات استخبارية نتيجة التحقيق أو حتى تقديرات بطبيعة وملابسات العملية، حيث كانت الاشتباكات لاتزال جارية بين قوات الاحتلال ومنفذي الهجوم، هذه الاتهامات الزائفة والادعاءات الباطلة سيقت ووجهت دفعة واحدة تجاه غزة وحكومتها وفصائلها وشعبها، ووضعت "إسرائيل" الجميع في قفص الاتهام دونما دليل واحد على صدق ادعاءها، وهو ما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن نية العدوان لدى الاحتلال موجودة مسبقا، وأن التخطيط والتحضير لسيناريوهات التصعيد كانت جاهزة وتنتظر فرصة مواتية للبدء بالتنفيذ.
وحتى لا ندخل في جدلية توقيت العملية أو أية تفاصيل أخرى مرتبطة بها قد يجتهد البعض بذكرها، نجزم أن "إسرائيل" لم تكن بالضرورة بحاجة لهذه العملية تحديدا لبدء عدوانها، وربما ساقت مبررات أخرى لو لم تحدث، سيما وأنها حتى اللحظة لم تبرز برهانا ولو صغيرا على اتهاماتها، ولم تعطي مبررا لعدوانها الذي أخذت فيه قطاع غزة بالشبهة، وراحت تحرق وتقصف وتغتال وتدمر.
ما يقوم به الاحتلال حاليا لا يعدو كونه محاولة للهروب إلى الأمام للخروج من أزمته وتصدير مأزقه الداخلي، فلم يجد أفضل من غزة ظنا منه أنها ستكون نزهة سهلة يمكنه فيها تحقيق عدة أهداف:
وأولها هي حرف بوصلة الاحتجاجات داخل الكيان وتوجيهها لدعم ما تقوم به حكومتهم من عدوان بدواعي الأمن وحماية الداخل الإسرائيلي وتبرير الموازنات الأمنية المرتفعة وربما المطالبة بزيادتها في ظل التهديدات الجديدة، وبالتالي تخفيف الضغط المتزايد على حكومة الاحتلال سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
أما ثاني الأهداف فهو عسكري ويتمثل في محاولة استعادة قوة الردع التي اعتبر الاحتلال انه حققها في أعقاب الحرب على غزة، وتصفية واغتيال عدد من قيادات المقاومة الفاعلة وقصف بعض الأهداف المحتملة للمقاومة، وجرها للمواجهة من أجل معرفة ما وصلت إليه من تطور وما حازته من أسلحة نوعية، وكذلك تجربة جديدة للعديد من الأسلحة والمعدات العسكرية ولمنظومة القبة الفولاذية التي نصب منها الاحتلال بطاريتين جديدتين الأسبوع الماضي فقط، وذلك لقياس مدى فعاليتها ونجاحها في التصدي لصواريخ المقاومة.
وأيا كانت أسباب العدوان ونوايا الاحتلال وأهدافه من وراء التصعيد الحالي، بات من المؤكد القول أن "إسرائيل" ستمضي في تصعيدها، وستستمر في عدوانها، وفي مقابل هذا العدوان ستقف قوى المقاومة المختلفة بكافة إمكاناتها -رغم تواضعها-ومن خلفها سيقف الشعب الفلسطيني داعما ومناصرا ومؤيدا، في تلاحم واندماج كاملين يحفهما الصبر على الابتلاء والصمود في وجه العدوان، وهما ما سيحقق لغزة النصر في هذه المرة كما تحقق لها في المرات الماضية.

