أخبار » مقالات

بالعربية وبالعبرية

10 أيلول / أكتوبر 2011 10:58

د. يوسف رزقة

أنت مضطر أحيانًا أن تتكلّم (بالعبرية) حتى يفهمك بعض القادة حين لا تستطيع إفهامهم (بالعربية). أنت مضطر لأن تقول لهم في موضوع الأسرى إن حاخام (إسرائيل) الأكبر قال: (إذا كان هناك أسير يهودي وكل أملاك الدولة لا تحرره، فبيعوا التوراة وبثمنها حَرّروه؟!!!). هذا قول (عبري) يُقدّر معنى (الحرية) ومعنى (الأسر) ويجعل حق الأسير في الحرية مقدمًا على أملاك الدولة وعلى التوراة أيضًا. وفي هذا السياق قرأت لقادة الدولة العبرية المغتصبة لبلادنا فلسطين قولين: الأول (لجولدمائير) في كتابها (حياتي) حيث قالت: (عندما كنت أمر في تل أبيب في الليل في أثناء حرب (1973م) وأرى بيوتًا مضاءة أقول: لعل هذا البيت لجندي أسير لا يعرف أهله النوم). والثاني: لإسحاق رابين يقول فيه بشأن (رون أراد): (أنا من أرسلته للقتال، وعليَّ مسئولية إعادته لبيته؟!).

هذا هو فقه العبرانيين في قضية الأسير، وهذه هي مسئولية القيادة السياسية في تطبيق هذا الفقه لاستنقاذ الأسير، واستعادة الحرية له: لأنه يعاني الأسر بأسرها، وبيت أبيه وأمه في حاجة لرعاية الدولة؟!

ما ورد في فقه العبرانيين عن الأسير قد يهزّ ضمائر قادة يستكثرون عادة ما عند الغرب وعند اليهود ويستقلون ما عندهم جهلاً أو خوفًا أو تبعًا للموضة. لأن ما عندنا في الإسلام من فقه الأسير أنجى وأغنى لو كانوا يعلمون، فقد أوجب الفقه على الحاكم بذل كل أموال الدولة من أجل تحرير الأسرى، فإن عجز مال الدولة عن الوفاء، أخذ الحاكم من مال الأغنياء لإتمام العجز، فإن فشل المال في واجب تحريرهم أوجب الشارع القتال على الحاكم وعلى الشعب لتحريرهم، إذ لا يجوز للحاكم أن يبيت ليلة حرًا سعيدًا وأسيرٌ مسلمٌ يرسف في الحديد. فقد ذكرت كتب السّير أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخذ يتقلب في فراشه لا يصيب نومًا في بدر ولما سأله أصحابه عن ذلك قال: كيف أنام والعباس يرسف في الأسر، أطلقوا سراح العباس فلما أطلقوه بالفدية اللازمة نام رسول الله – صلى الله عليه وسلم.

إن ما عندنا من فقه للأسير هو الأغنى والأنجى في العالم، ولكننا أضعناه كما أضعنا غيره من ألوان الفقه الأخرى، ونسي قادتنا أنهم هم المسئولون في الدنيا وفي الآخرة عن جموع الأسرى، وبالذات أولئك المرضى والمؤبدات وذوي الأحكام العالية، لأن قادتنا هم الذين أرسلوهم للقتال والمقاومة، وهم الذين يحصدون نتاج تضحياتهم بأعمارهم وأعمار أسرهم حين يتربعون على كرسي القيادة والمسئولية.

القيادة الفلسطينية بشكل عام قامة كبيرة، ولكنها تقف على جبل شاهق من دماء الشهداء، وعلى جبل آخر من معاناة الأسرى، وبدونهما تهبط القامات وتنخفض الرقاب، لذا نحن في حاجة إلى برنامج تشرف عليه القيادة – وهنا لا أخص أحدًا بعينه، لأن الكل مسئول – برنامج يحيي فقه الأسير، ويحدد المسئوليات، ويعمل على التحرير بكل الوسائل الممكنة، وأحسب أن خطوة التضامن هذه مع الإضراب لا تزيد عن دقّ جرس، للعمل الجاد، فإذا انتهت الخطوة بمهرجانات دون برنامج القيادة كنا ممن ضيعوا الأسير، وضيعوا الفقه، واكتفوا بالكاميرا والمناسبة.

المصدر: صحيفة فلسطين

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟