لقد شاهدنا منذ عام الإفراج عن 20 أسيرة فلسطينية مقابل شريط فيديو شاليط في صفقة الحرائر بتاريخ 2-10-2010, وبتاريخ 11/10/2011 يتم تسجيل يوم تاريخي بعقد صفقة الوفاء للأحرار, صورة تشكل نقطة فارقة ومحطة هامة في صراع الأمة مع المشروع الصهيوني, فلا شك أن لهذا اليوم ما بعده من تحديد ملامح إدارة الصراع وملامح قوانين وثوابت المرحلة القادمة, هذه الصورة قالت أن زمن الهزائم ولى وأن زمن الانتصارات قادم بحول الله تعالى.
في هذه المرحلة الدقيقة من حياة القضية الفلسطينية عاد نتنياهو سراً إلى استدراج عروض أسعار مجدداً لصفقة التبادل, والوسيط الألماني ظهر جزئياً, ومن ثم مجدداً الوساطة المصرية تعود إلى الواجهة, وطاقم تفاوض إسرائيلي على أعلى مستوى ومنه رئيس الشاباك و رئيس شعبة التخطيط والمستشار العسكري في القاهرة للقاءات ماراثونية مع وفد الأربعة الحمساوي, والشارع الإسرائيلي يضغط بقوة لتحرير شاليط رغم التعبئة الرسمية المضادة.
الأسرى والمفاوضات..
قضية أسرى فلسطين خضعت دوماً للمتغيرات السياسية لأن أسباب الاعتقال والقيد سياسية.. وبالنظر إلى حال سجيننا الفلسطيني في واقع التغيرات السياسية اليوم.. وكيف يغدو الأسير بعد اتفاقات أوسلو وواشنطن والقاهرة؟! وبعد مؤتمرات شرم الشيخ والعقبة؟! وبعد حوارات القاهرة وصيغ التفاهم؟! وبعد قرارات الانسحاب من غزة والتهدئة المعلنة وغيرها؟!
أُدرجت قضية أسرى فلسطين على جدول التفاوض الإسرائيلي – الفلسطيني، ولم يملّ المفاوض الفلسطيني طرحها كمطلب ملّح يحفظ له على الأقل ماء الوجه، وتعهدت إسرائيل قبل التوقيع في القاهرة على الإفراج عن خمسة آلاف سجين فلسطيني فور التوقيع ولم تفِ إسرائيل وأبقت قضية الأسرى على جدول الابتزاز السياسي، تربطها بتوقيع تعهدات تارة وبشروط بقائهم في مناطق الحكم الذاتي تارة وبربط قضيتهم بقضية وجود عملاء للاحتلال وضرورة العفو عنهم أولاً تارة ثالثة وضرورة ضرب قوى المقاومة وجمع سلاحها تارة رابعة.
وإلى هذه اللحظة لم يحدث أي إنجاز لقضية الأسرى بطريق التفاوض السياسي..
الأسرى ومحاولات المقاومة..
لم تنعدم محاولات التجاوب مع قضية الأسرى من الشعب الفلسطيني بكافة توجهاته وتنوعت هذه المحاولات وتعددت حيث الاعتصامات والاضرابات.. والمسيرات إضافة إلى محاولات العمل الثوري لإطلاق سراح الأسرى، حيث نجحت بامتياز صفقة أحمد جبريل, وقد أجادت حماس كذلك تجسيد هذا الدور، والاندفاع بحرارة سابقاً في أدائه ربما لوجود طليعة قيادية مثقفة من قيادات وكوادر الحركة خلف جدار النسيان في ذلك الوقت وعلى رأسهم الشيخ الشهيد أحمد ياسين رحمه الله، مما شكل باعث قلق كبير ودفع هذه الحركة مراراً محاولة الإفراج عن الأسرى عبر عمليات عسكرية منها خطف الشرطي الإسرائيلي نسيم توليدانو ، وكذلك محاولة خطف الباص رقم 25 قرب التلة الفرنسية في القدس.. ومحاولة الحركة المساومة على جثة الجندي ايلان سعدون الذي اختطف عام 88 ، وخطف الجندي ناخشون فاكسمان والمطالبة بالإفراج عن الشيخ ياسين وشحادة وديراني وعبيد ومجموعة من معتقلي كافة الاتجاهات الفلسطينية.. وقد تم هذا الحدث بعد أن كاد غبار النسيان يعلو قضية الأسرى الفلسطينيين ولم يعُد التفاوض السياسي محققاً للأهداف، واليوم تعقد صفقة تاريخية للإفراج عن شريحة هامة من الأسرى وذلك عبر إدارة صلبة حكيمة ملف شاليط الذي مضى على أسره خمس سنوات ونصف تقريباً ورضخ الإحتلال أخيراً لشروط المقاومة بنسبة تصل إلى 95% من شروط الصفقة التي تم إطلاقها في اللحظة الأولى لأسر شاليط.
صفقة الوفاء للأحرار...
صفقة الوفاء للأحرار حدث تاريخي فائق الروعة ولحظة إستراتيجية فارقة حيث تسطر ملحمة عز ووفاء وشموخ فمنذ تبديد الوهم في يونيو 2006 إلى لحظتنا التاريخية المضيئة تم رصد محطات هامة لعل أهمها ترسيخ برنامج المقاومة وتأكيد جدواها, وهذا الإنجاز الأمني غير المسبوق في العصر الحديث في الأسر والحفاظ على شاليط هذه الفترة الطويلة, علاوة على تحقق ذلك لأول مرة على ارض فلسطينية, مع تضحية فلسطينية عالية فأكثر من ثلاثة آلاف شهيد فلسطيني في قطاع غزة فقط منذ أسر شاليط ورغم ذلك ما تراجع الشعب الفلسطيني عن أي من مطالبه, مع حنكة تفاوضية عالية وصبر طويل حتى خضع الجلاد. صفقة الوفاء تحمل 1027 أسير إلى أهلهم من شتى الأراضي الفلسطينية ومنها القدس وعرب 48 والجولان علاوة على الضفة الغربية وقطاع غزة, كما شملت أسرى من كافة فصائل العمل الوطني الفلسطيني تجسيداً لروح وحدة وطنية تقوم على أساس من الإيثار وتقدم فيه حماس نموذجاً في العمل الوطني الصادق, مع تبييض السجون من النساء والأطفال. نعم ربما بعض رموز المقاومة الذين اعتقلوا في انتفاضة الأقصى ومنهم حسن سلامة و عبدا لله ومروان البرغوثي وأحمد سعدات وإبراهيم حامد وعباس السيد لن يطلق سراحهم ولكن في المقابل عدد كبير من الرموز الذين اعتقلوا قبل العام 2000 ومنهم يحيي السنوار وروحي مشتهى وعشرات آخرين على رأس المفرج عنهم.
التبادل وفلسفة الاحتلال...
القراءة المتأنية في فلسفة الاحتلال في التعاطي مع ملفات التبادل يمكن ملاحظة أن دولة الكيان لا تستطيع تحمل بقاء أسرى لمدة طويلة وهي على استعداد أن تدفع أعلى الأثمان، وهو إن لم يحدث سيترك أثاراً كارثية على معنويات جنوده، فهي بين نارين، نار دفع أثمان باهظة لتحرير أسراها، ونار الآثار الكارثية على جيشها ومجتمعها. وبذلك ظهرت دولة الكيان على حقيقتها حيث أنها لا تملك مقومات الديمومة و الاستمرار, فدولة لا تستطيع تحمل أسر جندي دولة هشة. علاوة على ذلك, دولة الكيان تتأثر جداً بطريقة إدارة المفاوضات، وخصوصاً في ظل التناقضات الداخلية, ومن الملاحظ أن طبيعة الرد والسلوك الإسرائيلي بعد عملية خطف شاليط الناجحة، قام الاحتلال برد عسكري قوي وإرهابي كبير جداً، كانت دولة الكيان تهدف من هذا النوع من الرد إرباك المختطف وإيلامه حتى يعدل عن الخطف أو على الأقل بدفع ثمن غالي لعمله وكذلك تأليب الشعب على الخاطف لما ألحقه بهم من دمار جراء عملهم هذا، ثم تدخل دولة الكيان في مرحلة أخرى وهي الضغط من خلال حلفائها ــ لإقناع الخاطفين أن هذا العمل غير مجدي وغير عقلاني ولا يخدم المصلحة الوطنية وأنه ببساطة انتحار، ثم بعد ذلك تدخل دولة الكيان بمفاوضات غير مباشرة حول عملية التبادل ولكن بشروط تعجيزية ما تلبث أن تنزل رويداً رويـداً، وتكون عملية يتم فيها إدارة الأزمة من منطلق الوقت والمحاولة للحصول على معلومات استخباراتية يتم من خلالها القيام بعملية عسكرية لتحرير الأسرى بدون ثمن، وبالإضافة إلى استعادة الروح المعنوية للجيش الإسرائيلي، وبعد هذا تدخل الأمور إلى مرحلة جذب قانوني حول من على أيديهم دماء والظهور بأن هذه الأمور لا يمكن تخطيها أو تغيرها، وفي لحظة ما لا تسمع أحد يتحدث عن الدماء أو الشروط وتصبح القضية إجرائية تنسيقية وكيفية إخراج الموضوع إلى حيز التنفيذ.
ويدرك الاحتلال أن من أهم تداعيات التبادل هو الضربة التي سيتلقاها حلف الاعتدال في كون المقاومة مجدية وتؤتي ثمار طيبة وتحفظ الكرامة وتلقى تأييد شعبي و أن المفاوضات عبثية وغير مجدية. وهي بذلك دعوة للشعب الفلسطيني للتوحد خلف هذا الخيار ودعوة فتح إلى إعادة النظر في نهجها وإقناعها بإمكانها العودة إلى خندق المقاومة وهي فرصة للدعوة إلى الوحدة والتعالي على الجراح على قاعدة المقاومة. وصفقة التبادل دعوة للأمتين العربية و الإسلامية إلى تحمل مسؤولياتهم في ظل التأكيد على طبيعة الصراع و طبيعة الطرق المجدية والفاعلة في تحقيق الأهداف و الدعوة للجميع إلى التوحد على قاعدة أن إسرائيل لم ولن تكون صديقة أو محبة للسلام وان حماس لم ولن تكون أبدا إلا مع أمتها وقضاياها.
الأسرى و الدور الاستراتيجي..
عمليات تبادل الأسري بين الفلسطينيين والعدو الصهيوني ضخّت دماً جديداً في شرايين شعبنا الفلسطيني في الضفّة والقطاع، فالأسري خرجوا منظمين جداً، إيمانهم عميق بأنه بمقدور شعبنا الانتصار في معركته لأنه يواجه عدواً لا أخلاقياً يمكن هزيمته، وما يجمعه ليس أكثر من أوهام وأساطير يحاول إقناع نفسه بها. عن قرب، ووجهاً لوجه، وبالخبرة والتجربة عرف الأسري الفلسطينيون نساءً ورجالاً عدوهم.
آلاف المحررين الفلسطينيين الذين تعلّموا في السجن، وطوّروا معرفتهم، وأتقنوا لغة عدوهم، وقرءوا خارطة تفكيره، ومسار حركته السياسية وتقلباتها، وتحالفاتها، وارتباطاتها وأساليبها التي مارستها علي مدي عقود. وهم تجادلوا في الشأن الفلسطيني، وما مرّت به الحركة السياسية الفلسطينية، ودرسوا جيداً أسباب فشل الثورات الفلسطينية الذاتية والموضوعية واستخلصوا العبر، وهكذا صاروا عند خروجهم (الخميرة والملح)، وكانت الظروف مهيّأة لتفجّر الانتفاضة الكبري التي كانوا في طليعتها.
وسلسلة حروب الأمعاء الخاوية التي قادها الأسرى في كافة قلاع التحدي الفلسطيني تسطر بمداد الصبر لكافة الأسرى عظيم عطائهم وتضحياتهم، واليوم يسطر رجال القيد أسطورة تاريخية جديدة بتحديهم للجلاد بإعلان معركة الأمعاء الخاوية في قلاع الأسر والتي قد تقود إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة ليضاف صفحة جديدة إلى تاريخهم النضالي المضيء عبر سنوات القيد الطويلة.
الأسرى أولاً..
إن القفز على قضية الأسرى أو تجاهلها جرمٌ خطير أحمق لأنها بالدرجة الأولى قضية ذات بعد إنساني محض عدا كونها تحظى باهتمام منقطع النظير لدى كافة فئات الشعب الفلسطيني، لذلك أي تجاوز أو إبطاء أو إهمال أو نسيان لأسرى فلسطين تهمة كبيرة لمن يرتكبها.. ويبقى المفاوض الفلسطيني دون حل لهذه المعضلة جذرياً في قفص الاتهام بعد التفاهمات الفصائلية خاصة وأن القضية كانت بحاجة فقط إلي القليل من الضغط من جانب السلطة كي يخرج جميع الأسرى كما يقول روبنشتاين مهندس اتفاقيات أسلو. ولما أهمل هذا الملف تقدم أصحاب الشأن من الأسرى ليديروا المعركة بأنفسهم بعد أن استقرت الرسالة في وجدانهم "أنت لا تبلغ حقّك إلاّ بذراعك"، هذا هو الدرس الذي عرفه بالخبرة والتجربة شعبنا الفلسطيني، وهو ما طبّقه الأسري الفلسطينيون بلحمهم، وأمعائهم، حينما أعلنوا الإضراب عن الطعام مراراً واليوم مجدداً وحثي انتزاع حقوقهم أو ليكن الموت.
فإمّا حياة تسرّ الصديق وإمّا ممات يغيظ العدي
الحركة الأسيرة صاحبة الدور المشهود في تفجير الانتفاضة الكبرى (1987) عادت من جديد باللحم والدم والأمعاء الفارغة أثناء انتفاضة الأقصى وستعود بعدها إدا لم يتحقق إنجاز الإفراج عنهم لتضخ في حياة شعبنا السياسية حيوية من خلال تلاحم الجماهير مع الأسري، وتفعيل النشاطات الجماهيرية الميدانية، وتغليب الفعل الشعبي في شوارع المدن والقرى والمخيمات، وامتدّ هذا التفاعل إلي تجمعات الفلسطينيين في المنافي.
اليوم يتحقق إنجاز تاريخي واستراتيجي بعقد صفقة الوفاء للأحرار بالإفراج عن 1027 أسير فلسطيني بعضهم أمضى ما يزيد عن 30 عاماً في القيد. واليوم يطلق الأسرى الإضراب الشامل عن الطعام في كافة باستيلات العدو. فهل جرس الأسرى الذي يدق بالدم مقدمة لانتفاضة فلسطينية ثالثة يساهم في قيادتها أسرى الحرية الذين يتحررون اليوم؟ وهل ستساهم قضية أسرى فلسطين في توحيد الشعب الفلسطيني؟
تحية لأسرى الحرية في يوم صفقة الوفاء للأحرار وفي يوم إعلان معركة الأمعاء الخاوية, والأسرى على موعد مع فجر الحرية الآتي.

