د. حسن محمد أبو حشيش/ رئيس المكتب الإعلامي الحكومي
لا يمر يوم من الأيام إلا ويُهاتفني صديق ويسأل ما هي أخبار المصالحة؟!، ولا أجلسُ في فرح أو ترح إلا وسؤال الناس يدور حول واقعية الحديث عن المصالحة وهل بالفعل هناك جدية في هذه الجولة ؟!
كتبتُ قبل ذلك هذا النبض الشاغل لقلوب الجماهير، حيث تتبع هذه الجماهير مبدأ سيدنا حذيفة في السؤال عن الشر مخافة الوقوع به .
فالناس راغبة ومحبة للمصالحة، ولاعنة للانقسام، لكنها في نفس الوقت قلقة، وخائفة، وتخشى من ميكافيلية الخطاب الإعلامي، وتُحذر من مثالية الحديث، ورومانسية المدح .
إن هاجس الأعوام الماضية يُسيطر على ذهنية المواطن على قاعدة (مَنْ يُلدغ من الشوربة ينفخ في الزبادي) .
إن المواطن يرى أن هناك ملفات تحتاج إلى لجان مُعَمَّقة تدرس الحالة المكلفة بها وتضع تصوراً واقعياً للتنفيذ، ولكنه لا يؤمن أن الكرامة تحتاج إلى لجان، أو الحصول على جواز سفر يحتاج إلى لجان، أو وقف الاستدعاء ووقف الفصل التعسفي الوظيفي يحتاج إلى لجان، فإذا كانت الأمور الإجرائية الحقيقية تزداد تعقداً، وفاقدة للإرادة والمصداقية، فلسان الحال يقول : كيف بمبدأ الشراكة الحقيقية؟ أو كيف بدراسة الاستراتيجية الجديدة للشعب الفلسطيني؟ وكيف بالمرجعيات العليا ؟
إن قبولنا بالمصالحة وسعينا إليها، والعمل على تحقيقها، لا يعني مطلقاً إتباع سياسة النعامة في وضع الرأس في التراب، وكأنني لا أرى شيئاً ولا يراني أحد، فهذا سلوك عاطفي أصم وجامد لا يُسمن ولا يُغني من جوع .
ومن تخوفات الناس التي وجدتها في حواراتي وتواصلي معهم هو شرك كبير يقول كالتالي :
" تعطيل كل الملفات : كالمصالحة المجتمعية والحريات والمنظمة، وجعلها بروتوكولية وشكلية وإعلامية، والوصول إلى الانتخابات غير المُهيأ لها، مع تعطيل المجلس التشريعي، وتشكيل حكومة جديدة تخرج حماس فيه من المشهد السياسي المباشر، وإعادة الخارطة السياسية لما قبل انتخابات 2006م ".
هذا سيناريو يتردد في أروقة الكثير من النخب والشرائح المجتمعية وخاصة القريبة من حماس، ومما يُعمق هذا التخوف هو عدم شعور الجميع أن الأمر ينتقل من التوقيع إلى أرض الواقع، وعدم رؤية التطبيق لكثير من البنود السهلة والبسيطة، وأعتقد أن المصالحة يجب أن توفر الأمن والكيانية لكافة الجماهير ولكافة أتباع التنظيمات، وإذا تخوف أي طرف وخاصة إذا كانت الأغلبية، فعلى الجميع الوقوف عند هذا التخوف، وتفسيره بواقعية وعلمية، ولا نحشر أنفسنا بتفسير حزبي ضيق .
حيث أن الواقع المنظور يُدلل على محاولات لاسترضاء فصائل صغيرة لا وزن لها سياسياً وجماهيرياً، فهل من المنطق أن نفعل ذلك ونزرع الخوف والقلق عند جزء كبير من أبناء الشعب الفلسطيني؟، لذا أرى أن نسلك سلوكاً واضحاً لطمأنة الجميع بلا استثناء؛ لأن عدم فعل ذلك سيؤدي إلى اضطراب نفسي يتولد عنه سلوك ميداني وموقف ذهني .
ولو نظرنا للجان المشكلة في القاهرة، والتوقيع على الموضوعات المطروحة نجد أنها نظرياً حتى اللحظة، بل واستحالة عدم التطبيق حسب ما هو موقع وخاصة في موضوع الانتخابات في مايو، وإعادة تشكيل منظمة التحرير .
وعليه ندعو إلى اعتماد الحل التالي الواقعي الذي يُرضي كافة الأطراف :
1- تشكيل حكومة مهنيين ومتخصصين بمهمات محددة .
2- تفعيل المجلس التشريعي وتثبيت دوره المُعطل .
3- تُعطى الحكومة المهنية فرصة عام كامل عملي، وليس منذ التوقيع أو نظري تكون مهمتها كالتالي :
- تهيئة الأجواء السياسية والاجتماعية ونشر ثقافة المصالحة المجتمعية وإنهاء كل الملفات ذات العلاقة .
- إطلاق الحريات العامة الإعلامية والسياسية والفكرية والثقافية وإزالة كل تبعات الانقسام .
- إعمار قطاع غزة، ورفع الحصار السياسي والاقتصادي بشكل تام ورسمي .
4- يبدأ الإطار القيادي الانتقالي للشعب الفلسطيني بحالة جدل ونقاش معمقة لوضع استراتيجية شاملة لحركة النضال الفلسطيني في ظل التغيرات الداخلية والأجواء الإيجابية الإقليمية والدولية .
هذا ترتيب من شأن تطبيقه طمأنة الجميع، وإنهاء الانقسام، وتوحيد كل الجهود، أما الاستمرار في تشكيل اللجان والغرق في تفاصيلها الإدارية والشكلية والتشدق الإعلامي...سيزيد من الإحباط ويُبدد التفاؤل .

