شكرًا لأزمةِ الكهرباء.. علمتني كيف أحترف الصعود إلى أعلى الأبراج والهبوط إلى أسفل الأرض... علمتني كيف يكون الاعتماد على النفسِ في أدق وأبسط تفاصيل الحياة... علمتني أن المصاعد الكهربائية ما هي إلا وجع للجسد، تستنزفُ رشاقته، وتقضي على جاذبيته، علمتني كيف أسير وأسير وأسير.. ولا أنتظر الساعات الطوال بحثًا عن وقودٍ يحلُ أزمة المصعد الكهربائي أو سيارة الأجرةِ...
شكرًا لأزمةِ الكهرباء.. إذ جعلتني أكثر قربًا إلى الله، فما أن أتمشى وأصعد على الدرج؛ حتى أباشر بأداء واجبي تجاه الخالق عز وجل إما استغفارًا وإما تسبيحًا وإما حمدًا وشكرًا وتكبيرًا.. وإما أن أدعوه في أزمتي هذه أن يُفرِّج كربتي أو أن يحقق لي حاجةً أتمناها..
شكرًا لأزمةِ الكهرباء.. جعلتني أعاند وأكابر وأصرُ على الاعتماد على نفسي.. جعلتني أدرك قيمة الوقتِ أكثر.. رغم أنّ من أوجدوها كانوا يهدفون إلى إضاعةِ وقتي ووقت شعبي وهو ينتظر مجيئها كي يقضي مصالحه ويباشر أعماله...
شكرًا لها.. وهي تُعلمني ألاّ أنتظر؛ فمن لديه هدف عليه ألا يتمهل أو يتريث كي يصل إلى الحل، بل عليه أن يتحدى ويبدأ خطواته على الأرض.. فبصعودي درجة درجة كي أصل إلى أعلى البرج الشاهق، أستذكر أنني خطوة خطوة أصل إلى مشوار الألف ميل؛ وأحقق طموحي الكبير...
لا أحد يصعد الدرج مرةً واحدة.. وإن كان صعوده شاق بغياب الكهرباء، فإن لتلك المشقة روعة كبيرة وإيجابياتٌ جمة، لا يُدركها إلا من تمرس على صعود السلم أو الدرج باستمرار، وكأنه يتهيأ لصعود الجبال.. ألم يقل الشاعر"ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر" ... وأنا أقول "ومن يهاب صعود الدرج يعش يومه ينتظر الفرج، تضيع مصالحه ويقع في الحرج، لتبقى الكهرباء هي من تُبرمج وضعه فبيدها مفتاح العقدة والحل.. لا بيده هو...!!".
شكرًا لأزمةِ الكهرباء.. عندما تحرمني نورها في الصباح وفي المساء.. فلا أجد مفرًا إلا أن أواجه التزاماتي بدونها.. فبوجودها وبغيابها أمارسُ أعمالي...قدوتي في ذلك كل من تخشى أن يفوت يومها دون أن تُسجل عملاً مهمًا؛ فلنمشِ مشيًا "ولنكسب بذلك الرشاقة؛ فالمشي الرياضة الأولى لمواجهة البدانة، ولنصعد الدرج لنحظى بالصحة واللياقة، ولنتذكر الفقراء والمساكين والمحتاجين الذين ضاقت بهم السبل وعاشوا طويلاً في الظلام والفاقة عندما نهم بأيِ عملٍ منزليٍ يستدعي حضور "حضرة الكهرباء" فلا تحضر...!!
علمتني أزمة الكهرباء أن الذكي هو من يتكيف مع الظروف، ويعيش المواقف والأحداث، يؤثر ولا يتأثر، ولكن بلا نفاق أو رياء.. ذكاءٌ يُشجعه على التمسك أكثر بالأخلاق الحميدة والصبر عند الأزمات، لا الإنزلاق مع التيار فإن أحسن القوم أحسن، وإن ذموا وأساءوا فعل فعلتهم..!!..
علمتني أزمة الكهرباء أن أساير الواقع وفي ذات الوقت أن أسعى لتغييره، أن لا أتقاعس بانتظارها؛ فأندم.. وآلا أُعطيها من الاهتمام أكثر مما تستحق وهي من لا تُقدر اهتماماتي؛ فلا تأتيني عندما أطلبها..!!
لستُ ناقمةً على الكهرباء، بقدرِ ما أنني أحفظ جميلها على البشريةِ جمعاء، كهرباء في حضورها ننجزُ أعمالنا بسرعةٍ وسعادة، وفي غيابها نتفنن في الإبداع لمواجهةِ كافة الإشكالياتِ المترتبةِ على ذلك، فما أروعكِ أيتها الكهرباء في حضورك وغيابك أنتِ نعمة.. وفي كلا الحالين علمتِنا أن الحياة منحة؛ فمن استثمر أوقاتها بالعمل الصالح والتفكير البناء؛ فاز ونال السعادة، وعاش مسلحًا بسلاح الفطنةِ؛ فلا يُداهمه كربٌ إلا ونجا منه؛ بل وحوّله من حدث أليم إلى ذكرى سعيدة؛ يفتخر بصنعها..
إذن علينا أن نواسي أنفسنا، وأن نشكر واقعنا على عيوبه، وأن نتفنن في أن نخلق السعادة لنا ولمن حولنا بطرقٍ بسيطة، أولها أن نبتسم ونحن نواجه الأزمات...

