بات من المؤكد أن أزمة الوقود التي تعصف بقطاع غزة منذ ما يقارب الشهرين، وتسببت ابتداءً في توقف محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة، ما أغرق القطاع في بحر من الظلام الدامس، وتسببت في تعطل وسائل النقل العامة والخاصة، هي أزمة سياسية مفتعلة بـ"امتياز"، وأن كل الذرائع التي ساقها المجلس العسكري المصري لخفضه في الفترة الأخيرة إمدادات الوقود التي تصل إلى غزة قد بان زيفها، وواحدة من هذه الذرائع التي ساقها المجلس العسكري أن الوقود الذي يصل إلى غزة يصل بالسعر "المدعوم" من الحكومة المصرية للمواطن المصري وليس للمواطن الفلسطيني، وقد بان "زيف" هذا الزعم يوم أن وافقت الحكومة الفلسطينية برئاسة هنية على شراء الوقود المصري بالسعر الدولي، وحولت على الفور بتحويل مليوني دولار إلى الجانب المصري لشراء الوقود لغزة حسب الاتفاق.
وفي الوقت الذي انتظرت فيه الحكومة الفلسطينية وسكان غزة معًا أن يبدأ الجانب المصري استئناف "ضخ" الوقود فور وصول المبلغ المطلوب لإعادة تشغيل محطة الكهرباء الوحيدة، والتخفيف من "ازدحام" السيارات والمواطنين على محطات الوقود، كانت المفاجأة الكبرى "احتجاز" الجانب المصري المليوني دولار، وخفض كميات الوقود التي تصل إلى غزة إلى أدنى مستوى لها، وهو 50 ألف لتر يوميًا بدلا من 500 ألف لتر، ولتحقيق هذه المهمة عمد إلى استنفار الأجهزة الأمنية المصرية في منطقة سيناء بطولها وعرضها، لمصادرة أي كميات وقود في طريقها إلى غزة، بل شراء كميات الوقود من التجار المصريين التي في طريقها إلى غزة و"سكبها" في الصحراء.
ولم يكتف المجلس العسكري المصري بـ"افتعال" هذه الأزمة، وإنما عمد إلى "افتعال" أزمة وقود داخل مصر نفسها، وهو الأمر الذي بدأت وسائل الإعلام "تسليط" الضوء عليه في الأيام الأخيرة، ويبدو أن الغاية من "افتعال" هذه الأزمة- حسب وجهة نظري- هو "دب" المجلس العسكري المصري عن نفسه "تهمة" التآمر على غزة، بالإضافة إلى محاولة المجلس وقف "زحف" تقدم الإخوان في الانتخابات الرئاسية المصرية المقررة في منتصف شهر مايو في القادم، بعد فوزهم القوي في الانتخابات البرلمانية، وذلك في إطار رغبة المجلس العسكري "الانتقام" من حركة الإخوان بشكل أو بآخر، قبل تسليم السلطة إلى رئيس منتخب.
ولعل الخوف الكبير أن تكون هذه الأزمة مقدمة لأزمات جديدة تطال غزة وتعيد الحصار من جديد، وذلك بإقدام المجلس العسكري المصري خلال الشهرين القادمين، وهي الفترة التي تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية المصرية، إلى "توسيع" دائرة السلع "الممنوعة" التي تصل إلى غزة، وتحديدًا مواد البناء التي ساهمت بشكل كبير في "امتصاص" البطالة في صفوف العاطلين عن العمل، وتحريك عجلة التنمية الاقتصادية في القطاع، ما أدى إلى "تذليل" الكثير من المشاكل التي كانت تقف في وجه الحكومة الفلسطينية، والتفرغ إلى العمل السياسي للحكومة، ولعل الجولات التي قام بها رئيس الوزراء الفلسطيني هنية في الفترة الأخيرة، إلى الكثير من العواصم العربية والإسلامية، وتجنيد الدعم السياسي والمالي للشعب الفلسطيني، كانت شاهدًا حيًا على ما يمكن أن تقوم به الحكومة الفلسطينية حينما تتفرغ للعمل السياسي.
ويبدو أن هذه المخاوف قد وصلت إلى قيادة حركة "حماس" بشكل أو بآخر، وكان التحرك القوي للحركة يوم الجمعة الماضي، حينما استنهضت جماهيرها في مسيرات حاشدة جابت كافة مدن وقرى ومخيمات القطاع، وكانت المفاجأة أن قيادة الحركة قد كشفت الكثير من الأوراق "السرية"، حول تآمر أطراف عدة ضدها في الفترة الأخيرة، ووجهت أصابع الاتهام المباشر إلى السلطة الفلسطينية بالتآمر على غزة ومحاولة تجويعها، في عمل أقل ما يمكن وصفه به استعادة الحركة زمام المبادرة، وحشر السلطة الفلسطينية في زاوية الاتهام، ولعل المتابع للمزاج العام في غزة يدرك التحول لمصلحة حركة "حماس" في اليومين الأخيرين، عما كان عليه الأمر قبل ذلك.
فهل تعي الأطراف المتآمرة على غزة أن تآمرها عليها لن يفلح في تحقيق ما عجزت (إسرائيل) عنه طوال السنوات الماضية رغم قساوة الحصار والعدوان معًا، أم تستمر في التآمر لتلقى المصير نفسه الذي لاقاه الحصار والعدوان (الإسرائيلي)؟

