أخبار » مقالات

لمن ضبط النفس؟!

08 أيلول / أبريل 2012 09:19

ليس من الغريب أن تزودنا الإدارة الأمريكية، الراعي الوحيد لعملية السلام في الشرق الأوسط، بتعليماتها وإرشاداتها ونصائحها المعسولة التي تطلقها في المناسبات العصيبة، ربما من باب الحرص على مصلحة شعوب المنطقة، أو ربما من باب تهدئة الخواطر، أو ربما من باب الكيل بمكيالين كما هو حال سياستها الخارجية، فقد خرج علينا في ذكرى يوم الأرض المتحدث باسم وزارة الخارجية مارك تونر ليقدم نصيحة إدارته بمطالبة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني بضبط النفس.

 

يا لها من كلمات وتصريحات جميلة والتي لم نسمعها في مناسبات عديدة سابقة. فلم نسمع مثل هذه الكلمات أثناء عدوان الأربعة أيام على غزة بأسلحة أمريكية فتاكة، ولم نسمع مثل هذه الكلمات لوقف الاستيطان ومنع الاستيلاء على مياه وأراضي وممتلكات الفلسطينيين؟

 

ولم نسمع مثل هذه الكلمات ضد تهويد القدس والعبث بالمقدسات العربية؟ ولم نسمع مثل هذه الكلمات لمناهضة تعذيب المعتقلين في السجون الإسرائيلية، ولم نسمع مثل هذه الكلمات في إلزام (إسرائيل) بتحمل مسؤولية تأمين الاحتياجات الأساسية والضرورية للسكان في قطاع غزة الذين يعيشون كارثة إنسانية، بسبب الحصار المفروض عليهم منذ خمس سنوات على التوالي.

 

هذا التصريحات والكلمات تذكرنا بكلمات الرئيس أوباما في القاهرة بعد تولية مباشرة الرئاسة عندما أدلى لنا بشيء من حكمته ورأيه السديد بإحلال السلام في الشرق الأوسط وهجومه العنيف على الأنظمة العربية لما يفتقدونه في تسيير شؤونهم من الديمقراطية وإقرار حقوق الإنسان وحقوق المرأة..الخ.

 

وحتى سياسة التغيير والتقرب من العالم العربي والإسلامي التي تحدث عنها لم تكن بالمفهوم العام تغييرا جوهريا أو حتى شكليا أو مظهريا في سياسة الولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية، ومثلما قال محمد حسنين هيكل فكلمة أوباما لم تكن أكثر من كلمة علاقات عامة، ولو كان معنياً بتغيير سياسته لعبر عن ذلك في كلمة أمام الكونغرس حيث تصنع السياسة الأمريكية، وهو الأداة الأكثر تأثيرًا على (إسرائيل).

 

فلا يوجد في عرف السياسة الأمريكية شيء اسمه ثبات وعدم انحيازية في المواقف خاصة فيما يتعلق الأمر بـ(إسرائيل)، فمن المألوف عن الإدارة الأمريكية عدم رغبتها في لعب دور الوسيط النزيه لحفظ ماء وجهها بتبنيها شعار "راعية السلام في الشرق الأوسط"، كما انه من المألوف عنها تبنيها مواقف ووعود تقطعها على نفسها ثم سرعان ما تنقلب عليها، بدءًا بإدارة بوش الأب وصولا لإدارة أوباما.

 

فالإدارة الأمريكية لا يهمها استقرار السلام في الشرق الأوسط بقدر ما يهمها الدفاع عن استقرار وأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما أراد الرئيس أوباما توصيله إلى العرب من خلال خطابه في القاهرة "بأن الولايات المتحدة لم تتخلَّ في يوم من الأيام عن دعم حليفتها (إسرائيل)"، لذا هي لا تبخل عليها في الدعم العسكري والتعاون الأمني واللوجستي والاستراتيجي، فكما ذكرت في مقال سابق أن إدارة الرئيس أوباما هي أكثر الإدارات الأمريكية على الإطلاق في تقديم الدعم العسكري والأمني (لإسرائيل) ناهيك عن المساعدات والقروض والهبات الأمريكية والتي تقدر بمليارات الدولارات سنوياً، بل هي أكثرهم تحيزا وتعصبا للفيتو لصالح (لإسرائيل)، كذلك الفيتو الأمريكي المشهور ضد إدانة الاستيطان الإسرائيلي وذلك الفيتو المعارض لمشروع الدولة الفلسطينية المزمع التصويت عليه في الأمم المتحدة.

 

ضبط النفس هي كلمة كبيرة في قاموس إدارة الصراع بين قوتين متكافئتين على الأرض وليست مجرد كلمة تتخذها الإدارة الأمريكية للتستر على سياستها الخارجية المنحازة كلية (لإسرائيل)، كي تظهر بأنها "راعية للسلام في الشرق الأوسط" وعدم السماح لأي قوى فاعلة أخرى بالتدخل أو حتى بالمشاركة، كي تنفرد لوحدها في الصراع العربي الإسرائيلي. لذا فإن ضبط النفس يجب أن يبدأ من عند الطرف القوي الذي يمتلك كل عوامل القوة والعربدة ومن ثم يلتزم به الطرف الآخر، وعلى الإدارة الأمريكية هنا أن تلزم به طفلتها المدللة (إسرائيل)، بأن لا تتعدى على حقوق الشعب الفلسطيني وتقر بحق تقرير مصيره وتنهي الاحتلال والحصار وتكف عن القتل والاعتقال والتهجير والإبعاد والنفي وأن تلزمها عند حدها بعدم السماح لها بتهويد القدس والمساس بالمقدسات العربية.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟