عالقون في الحرب القديمة
معاريف - بقلم: نحمان شاي
(المضمون: أنزلت الحكومة مطرقة بوزن 10 كغم، على ثلاث ذبابات هددت بأن تلذع، بل ولم تصل حتى الى هذا. منذ زمن بعيد لم يكن هناك انعدام كهذا للتوازن بين التهديد وبين الرد عليه).
في نهاية اليوم تبين بأن الجبل تمخض فولد فأرا. من 1200 نشيط كانوا سيهبطون في اسرائيل، وصل في النهاية بضع عشرات، اعتقل بعضهم، أُفرج عن آخرين، وانتهى الحدث. تنفس الصعداء الذي أبداه مندوبو الحكومة، بمن فيهم الشرطة ووزارة الامن الداخلي التي عالجت الحدث، أنهى بصمت ما كان يُخيل أنه هجوم واسع النطاق على المجال الجوي الاسرائيلي وعلى مطار الدخول اليها. ولكن من كل هذا لم يتبق شيء. فقد أنزلت الحكومة مطرقة بوزن 10 كغم، على ثلاث ذبابات هددت بأن تلذع، بل ولم تصل حتى الى هذا. منذ زمن بعيد لم يكن هناك انعدام كهذا للتوازن بين التهديد وبين الرد عليه.
عملت الوزارات المختلفة على طريقتها المتبجحة، وكأن في قذالتها ينفخ مراقب الدولة، ولم يجف بعد الحبر عن تقرير اسطول مرمرة، الذي لم يُرفع بعد، حتى بتنا ننتظر تقريرا جديدا. لكل المشاركين في قضية الاسطول كان سبب وجيه للقلق، وقلقهم استثمروه في اعتراض ما يسمى بـ "الطيران المؤيد للفلسطينيين".
اسرائيل ترفض أن تفهم بأن قواعد اللعب قد تغيرت. والاسوأ من ذلك فانها لم تعد هي التي تقررها، بل الفلسطينيون. منذ قُضي على الارهاب في الانتفاضة الثانية، اختار الفلسطينيون استراتيجية القتال غير العنيف. الهدف لم يتغير وهو موجه للحصول على دولة للفلسطينيين في حدود 1967. ولكن الوسائل تغيرت، وهي تستهدف المس بالمكانة الدولية لاسرائيل، بشرعيتها، باقتصادها وبجملة شؤونها المدنية. وهكذا كنا شهودا في الآونة الاخيرة على مسيرة، اسطول بحري، طيران جوي واستعراضات دعائية في اطار "اسبوع الابرتهايد الاسرائيلي". ويتفادى الفلسطينيون المواجهات الجسدية "في ميدان المعركة" ويختارون ساحات اخرى ليس فيها دم ونار وأعمدة دخان، ولكن فيها احتمال بالضرر على اسرائيل كبير بقدر لا يقل.
هذه حرب على الوعي، سواء وعي الفلسطينيين أنفسهم أم الجمهور في البلاد أم الرأي العام العالمي. ولكن بينما ينشغل الفلسطينيون بالحرب الجديدة، لا تزال اسرائيل عالقة في الحرب القديمة، وعليه فأمام "تهديد" بضعة نشطاء فلسطينيين يريدون الوصول الى اسرائيل والانتقال عبرها الى بيت لحم تدفع اسرائيل الى المطار بمئات عديدة من رجال الامن بالبزات وبدون بزات وتلون بوابة الدخول اليها بألوان كفاحية. الحقيقة هي ان لاسرائيل الأدوات وهي يمكنها بالتأكيد ان تتصدى في هذه الساحة للفلسطينيين، ولكنها تفضل اختيار الخيارات القديمة التي لا تتطلب تفكيرا جديدا وابداعيا. الرسالة التي قدمتها اسرائيل للنشطاء وقبل ذلك لوسائل الاعلام الاسرائيلية، دعتهم الى السفر الى سوريا، الى ايران أو الى غزة. وها هو خطأ نموذجي: نحن وإن كنا ننتمي جغرافيا الى الشرق الاوسط، ولكن ثقافيا مكاننا في الغرب الديمقراطي الليبرالي. وأن نقارن أنفسنا بسوريا، ايران أو حماس، فاننا نقتلع جوهر الفارق بيننا وبينها فنخلق بالتالي تشبيها بين تلك الكيانات وبين اسرائيل. علينا ان نبرز القيم التي تميزنا وألا نشبه بيننا وبين تلك الدول الظلامية الموجودة في منطقتنا.
كل المشاركين في الرحلة الجوية، بعد ان يكونوا وصلوا، كان ينبغي على اسرائيل ان تقلهم الى بيت لحم وان تسلمهم الى السلطة الفلسطينية. من تلك اللحظة لا مصلحة لنا بهم. ما كان ليقع أي ضرر بمكانتنا الدولية أو بأمننا. بالمقابل، الانفعال الكبير في المطار والتخوفات الشديدة التي أبدتها قوات الامن من الرحلة الجوية ألحقت باسرائيل الخسارة في معركة اخرى، في الحرب على الوعي، وخسارة.

