روضة غزة وروضة اسرائيل
هآرتس - بقلم: جدعون ليفي
(المضمون: ستنتهي جولة القتال الحالية العبثية بين غزة واسرائيل وهي التي تُظهر دائما عدم الحكمة في الرد الانفعالي الاسرائيلي).
لا جدل هذه المرة في أنهم هم الذين بدأوا، وتستطيع حاضنة الاولاد المتشاجرين في روضة اطفال في جنوب اسرائيل وروضة في شمال غزة ان تقول هذا في جزم ويقين هذه المرة. فقد بدأت روضة غزة وتابعت روضة اسرائيل. فالحال في روضة الاطفال كالحال في روضة الاطفال.
في صباح يوم الاثنين قتل مواطن اسرائيلي عند الجدار مع مصر. وفي ظهر ذلك اليوم جاء الرد بهجوم اسرائيلي من الجو على بيت حانون وقتل فلسطينيان. ولم تُقصر روضة غزة، فبعد الظهر أُطلقت قذيفة صاروخية على عسقلان. ولم تُقصر روضة اسرائيل فعاد سلاح الجو وهاجم. ولم يكن ذلك كافيا لأن سلاح الجو قضى بعد ذلك على فلسطينيين مسلحين كما يبدو قرب الجدار الحدودي. وكانت النتيجة 4:1 لروضة اسرائيل واستمر الشجار.
لم تسكت روضة غزة فأُطلقت عشرات القذائف الصاروخية على الجنوب وتحمل الولد حماس المسؤولية عن طائفة منها وجُرح ضابط من حرس الحدود جرحا متوسطا. وقبل ذلك ايضا قُتلت بنت في روضة غزة بقذيفة صاروخية فلسطينية كما يبدو ومواطنان فلسطينيان آخران بسبب "خطأ تعرّف" من الجيش الاسرائيلي فأصبحت النتيجة 6 : 1، واستمر الشجار أمس لكن الانتباه صُرف عنه الى تقرير مراقب الدولة.
أيتهما بدأت؟ قد قلنا من قبل انها روضة غزة، وربما لم يكن ذلك، فقد نشرت أول أمس منظمة مجهولة هي "مجلس شورى المجاهدين" شريط فيديو مسجل تحملت فيه مسؤولية عن قتل المواطن الاسرائيلي سيد فشافشة. فأبو صلاح المصري من مصر وأبو حذيفة الري من السعودية هما اللذان بدءا، فقد اجتازا حدود اسرائيل من مصر. لكن روضة اسرائيل تتهم روضة غزة بأنها بدأت.
هكذا كانت الحال ايضا في الجولة السابقة في آب 2011: ففي سلسلة عمليات قرب ايلات قتل ثمانية اسرائيليين وجرح اربعون. وقصف الجيش الاسرائيلي غزة، وفي الأساس "لجان المقاومة الشعبية". وعُلم بعد ذلك ان المخربين كانوا أصلا مواطنين مصريين من ناس الجهاد العالمي في سيناء، لكن روضة غزة دفعت الثمن آنذاك. ومقابل ذلك دفعت اسرائيل اسبوع قتل وخوف في البلدات الجنوبية.
لو لم يكن ذلك فتاكا ونازفا بهذا القدر لأمكن ان يكون مسليا، ولعبة اولاد، فهناك شيء ما صبياني بصورة مخيفة في جولات الدم والدمار: فهم يبدأون ونرد نحن، وهم يردون ونرد نحن بصورة أقوى. وهجمات اسرائيل غبية والانتقام الاسرائيلي لا يقل غباءا. ويحاول الفلسطينيون وأنصارهم ان يُذكروا بوجودهم بالعنف الذي لا يأتيهم بأي فائدة وترد اسرائيل بصورة آلية لا تأتيها بأي فائدة ايضا.
ليست اسرائيل غبية؛ فسيادتها وأمن سكانها يتم المس بهما ولهذا تعتقد انه يجب عليها ان ترد وان تفعل شيئا ولا تسكت، بأي ثمن. وهناك كلام ايضا داحض بقدر غير قليل عن الحاجة الى "ردع"؛ بيد أنه لا ينجح، فمن الحقائق ان روضة غزة لا تُردع مرة بعد اخرى.
لا اعتراض على حق اسرائيل في الرد. لكن ألا توجد حكمة في الرد ايضا؟ في كل رد؟ وفي كل قوة؟ ألم يكن من الصحيح ان نحاول ضبط النفس بازاء حماقة الطرف الثاني؟ لأنه بعد كل رد اسرائيلي عنيف يأتي رد فلسطيني مضاد فيلجأ الجنوب الى الملاجيء ويتم التشويش على الحياة ويصاب السكان بالرعب. أفلا يمكن منع هذا حقا؟.
ان سكان الجنوب خاصة، اولئك الذين يدفعون معظم الثمن عن ألعاب الموت والخوف هذه، كان يتوقع ان يعترضوا على التسلسل هذا وألا يقبلوه على أنه قانون طبيعة. لكن أكثرهم، مثل أكثر الاسرائيليين، غير مستعدين لأن يروا اسرائيل تضبط نفسها. ويعلم الساسة والجنرالات أنهم مُرغمون على ان يبذلوا لهم حصة الانتقام بدل حصة الأمن التي لا يستطيعون بذلها كاملة. بيد أنه لا يمر خط مستقيم واحد دائما بين الانتقام والامن، وبين الرد الآلي والحكمة.
بعد يوم أو يومين اذا لم تحدث كارثة سينتهي هذا الشجار العبثي ايضا. وسيتم احراز هدنة غير رسمية – باتصالات غير رسمية بالطبع – الى ان تأتي "اللذة" التالية. وستأتي بيقين لا يوجد أكبر منه. ومن المبالغ فيه ان نتوقع من روضة غزة ان تكف عن ذلك. لكن لماذا تسقط روضة اسرائيل ايضا في كل مرة من جديد في شرك النار هذا حتى لو كانت روضة غزة هي التي بدأت؟.

