أدى الحصار المفروض على قطاع غزة وإجراءات الاحتلال التعسفية على دخول وخروج البضائع والمنتجات من وإلى غزة، إلى تصدع وانهيار في الاقتصاد الفلسطيني بغزة، نتيجة تحكم اسرائيل في حركة المعابر والتجار والمشاريع.
ولم تتوقف اسرائيل عند هذا الحد، حيث تمنع إدخال آلاف الأصناف من البضائع والمواد بحجة أنها تدخل في صناعة الأغراض العسكرية والأنفاق وأيضا الاستخدام المزدوج.
تاجر الخضار أبو حسان أبو صفر والذي يقوم بتصدير منتجاته عبر معبر كرم أبو سالم، يقول للرأي:" إنه يقوم بتصدير الكثير من الخضراوات والفواكه عبر المعبر إلى داخل أراضي 48 ومناطق الضفة الغربية دون أي إجراءات قاسية أو صارمة معهم"، موضحا أن الاحتلال يمنع يسمح بإدخال بعض الخضار من بينها البندورة والباذنجان وإلى جانبها الفواكه .
ويؤكد أبو صفر في حديث "للرأي"، أن التجار لا يواجهون أي عراقيل أو صعوبات خلال عملية التصدير خارج القطاع، لكنهم يواجهون منعا اسرائيليا لتصدير بعض الخضار مثل البطاطا والبصل والفراولة دون مبرر أو سبب .
وأعلن الاحتلال الإسرائيلي منتصف العام الماضي، عبر موقع "آلية إعادة بناء غزة" قائمة جديدة من المواد الممنوع دخولها إلى القطاع بحجة استخدامها للأغراض العسكرية.
وتضم القائمة ما يقارب الـ 5765 صنفاً من المواد المتعلقة بالبناء، وذلك ضمن سياسة جديدة لتدمير عملية اعمار غزة وإضعاف القطاع الخاص الفلسطيني.
تضييق الخناق
من جهته يقول مدير العلاقات العامة بغرفة تجارة وصناعة غزة، ماهر الطباع:" إن العام الماضي كان سيئا على الاقتصاد الفلسطيني وحركة التجار وحتى المواطن العادي والمرضى والطلبة، إلى جانب سحب تصاريح أكثر من 2000 تاجر ورجال أعمال فلسطينيين من غزة".
ويؤكد في حديث "للرأي"، أن الاحتلال الاسرائيلي يمنع دخول الكثير من السلع والبضائع إلى قطاع غزة بحجة الاستخدام المزدوج، حيث تستغرق الموافقة على إدخالها وقتا طويلا، في وقت تمنع بعض السلع بشكل نهائي وكامل، وخاصة المواد الخام للقطاعات الصناعية والحسابية والإنشائية وخاصة الاسمنت والحواسيب وأجهزة الاتصال إلا بتصاريح خاصة.
ووفق ما ذكره فإن معبر كرم أبو سالم لوحده لا يلبي احتياجات قطاع غزة من البضائع والسلع والمنتجات، موضحا أن اسرائيل تهدف من تلك الاجراءات القاسية تضييق الخناق على قطاع غزة وإبقاؤه غارقا في مستنقعات الفقر والبطالة.
واتبع الاحتلال سياسة ما يسمى "الاستخدام المزدوج" والتي بدأت في منتصف عام 2010 بالتزامن مع قرار إسرائيل تخفيف الحصار عن قطاع غزة، والسماح باستيراد جميع البضائع باستثناء الاستخدام المزدوج التي قد تدخل في صناعة الأسلحة أو المواد التي يمكن استخدامها في الغالب لأغراض عسكرية.
على حافة الانهيار
وفي تعليقه على الظروف الاقتصادية بغزة، يقول الخبير الاقتصادي نهاد نشوان:" إنه منذ بدأت اسرائيل فك الارتباط مع قطاع غزة منذ بدء انتفاضة الأقصى عام 2000 بنسب متفاوتة، حتى قضت على الأيدي العاملة، وأصبح موضوع التجارة يقتصر على التجار الذين يستوردون من الخارج أو أراضي 48".
ووفق ما ذكره في حديث للرأي، فإن الاحتلال قام بتقليص عدد التجار وخاصة الذين يبادرون للمشاريع، وسحب العديد من التصاريح منهم لأسباب اقتصادية.
ويعاني الاقتصاد الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة المحاصر من سوء اتصال وتواصل، في ظل محاولات الاحتلال للتضييق وهو ما يعتبر منافيا لاتفاقية باريس التي حددت الأصناف التي يتم تصديرها من وإلى غزة، يوضح نشوان.
ويضيف:" اسرائيل وضعت العديد من القيود على الكثير من المواد الخام التي تدخل غزة بحجة أنها تستخدم في أغراض عسكرية وهي ليس لها علاقة في موضوع العسكر"، مشيرا إلى أن الاحتلال يعمل جاهدا لإيصال الاقتصاد بغزة لحافة الانهيار، إلى جانب وقف الصادرات للخارج كون معبر كرم أبو سالم النافذة الوحيدة التي تطل بغزة على العالم الخارجي.
تحويل مسار التجارة لمصر
وفي وقت سابق، نادى الخبير الاقتصادي نشوان بضرورة تحويل مسار التجارة مع الاحتلال إلى الشقيقة مصر لتحقيق منافع ومكاسب للمواطن الفلسطيني بغزة، وتحديدا القطاع العام كونه لا يستفيد من التجارة مع الاحتلال، مؤكدا أن الاحتلال يقوم بتدوير الضرائب لخزينة السلطة الفلسطينية برام الله.
وفيما يتعلق بأهمية التجارة مع مصر، يضيف:" إن ذلك يخفض من قيمة الضرائب التي تحصلها رام الله ويخفض من قيمة السلع والبضائع التي يستهلكها المواطن، وبالتالي ينتج عنه منطقة صناعية مشتركة، الأمر الذي يعمل على تخفيف البطالة وسعر تكلفة السلع".
وحول طبيعة الواقع الاقتصادي بغزة، يشير إلى أن الاقتصاد انحرف وتدنى بشكل سريع عقب تشكيل حكومة الوفاق الوطني بسبب تهميشها قطاع غزة وعدم تقديمها له أي شيء يخفف من أزماته ومشاكله إلى جانب إهمالها له، وهو ما تسبب بمأزق لغزة، مطالبا بضرورة التحفظ على حكومة الوفاق وحجب الثقة عنها باعتبارها عائقا أمام تقدم وتطور الاقتصاد بغزة.
وكان تقرير حقوقي إسرائيلي لجمعية "جيشاه-مسلك" الإسرائيلية لحقوق الإنسان، قد كشف أن العام 2016 كان أحد أصعب الأعوام في مجال حرية التنقل لتجار غزة، وأصحاب المبادرات الاقتصادية فيها ورجال أعمالها.
وقال التقرير الذي جاء تحت عنوان " منتجات غزة، بعد مرور عامين": إن التقدم الاقتصادي في قطاع غزة لا يزال صغيرًا وبطيئًا مقارنة بالممكن، وأنه لا زال هنالك إمكانية للتغيير، وهو مرتبط بشكل كبير بالسلطات الإسرائيليّة".
وأكد على ضرورة وقف الاستخدام العشوائي التعسفي وعديم المسؤولية المتمثل في أوامر المنع الأمني، والتي أدى استخدامها بهذه الوتيرة خلال العام 2016 إلى إلحاق أضرار جسيمة بجمهور التجّار ورجال الأعمال في غزّة.
وتستمر إسرائيل بإتباع سياساتها وإجراءاتها العقابية بحق قطاع غزة، والتي تمثلت بتشديد الخناق على تنقل التجار ورجال الأعمال عبر معبر بيت حانون شمال غزة، وتجاوزت ذلك باعتقال العشرات من التجار ورجال الأعمال، كما أضافت إسرائيل العديد من السلع والبضائع إلى قوائم الممنوعات، في إطار سياستها بتشديد الحصار وخنق القطاع.

