ما أن يتناسى المواطنين في غزة قصة ذاك الرجل الذي ذهب بطفله للمستشفى سيراً على الأقدام لإجراء عملية جراحية بسيطة ليعود به وقد أصيب بالشلل، وتلك المرأة التي ذهبت لتضع مولودها الأول فعادت وقد دمرت حياتها بانفجار الرحم لديها وإنقاذها من موت محتم، وأخرى من لم يتمكن الأطباء من إنقاذ حياتها فغادرت دون سابق إنذار كنتيجة لتلك الأخطاء الطبية حتي تطفوا قصة جديدة.
فبات يؤرق مضاجع الغزيين فيتمنى المريض أن يموت على فراشه قبل أن يذهب إلى تلك المستشفى الحكومي أو ذاك الخاص لأن الخطأ وارد أينما كان .
الشاب أشرف خلف ذو الـ25 عاما من حي الشجاعية بغزة قيل إنه هو الضحية الجديدة على مسرح مشرط طبيب والذي ذهب إلى مستشفى خاص خشية على نفسه من الموت على أيدي الأطباء في المستشفيات الحكومية لما يسمعه دوماً من موت فلان وعلان نتيجة خطأ طبي، وحتى يكون الاهتمام به أكبر ليكون المصير واحد، الموت إثر عملية جراحية بسيطة تعرف بـ " الدوالى " .
طارق خلف ابن خال الضحية يروى تفاصيل الحادثة فيقول لـ " الرأي" :" لقد دخل أشرف يوم السبت الموافق 4/3/2017 مستشفى خاص لعمل عملية جراحية تعرف بـ " الدوالي " لتأخره عن الإنجاب بعد ولادة طفلته الوحيدة وبلوغها السبع سنوات، لتجرى إليه العملية الجراحية وبعد ربع ساعة يخرج ويصل إلى البيت "
ويضيف :" بعد أن وصل إلى البيت أصبح يعانى من الآلام في الظهر والرقبة ويصاب بنوبة من القيء الأسود ما دفع أهله إلى الاتصال بالطبيب الذي أجرى العملية ليكون الرد عليهم بأنها أعراض طبيعية، فما كان من الشاب إلا أن يأخذ العلاج وينام وفى يوم الأحد أصبح يعانى من قيء وإسهال ليعاود الأهل الاتصال بالطبيب مرة أخرى ليكون رده بأن يحضروه إلى المستشفى الخاص فقام بعمل فحوصات له ليثبت الطبيب أنه يعانى من قرحه في المعدة ويضعه تحت المراقبة مع إعطاؤه علاج للقرحة .
وتابع :" عندما جاء المساء وبينما كان الطبيب المناوب وجد أن حاله أشرف غير طبيعية فقام بإجراء تحاليل له فوجد أن هناك ارتفاع في وظائف الكلى والكبد ما دفعه لتحويله صباح الاثنين إلى مستشفى الشفاء ليتم إدخاله إلى قسم الأمراض الصدرية ، فكان في كل ثانيه تتدهور حالته الصحية الأمر الذي دفع أطباء قسم الأمراض الصدرية للاستعانة بأطباء العناية المركزة ليتم تحويله إلى العناية المركزة ليكتشف أنه يعاني من تسمم في الدم وتوقف لكافة وظائف الجسم ليبقى أشرف في تدهور مستمر حتى إعلان وفاته يوم الجمعة الماضي ".
أما الطبيب الشرعي التابع لوزارة العدل في وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، فأكد أنه تم الانتهاء من تشريح الجثة للشاب أشرف خلف، حيث تبين بواسطة الطبيب الشرعي التابع لوزارة العدل أن الوفاة غير متعلقة بالعملية التي جرت له في دوالي الخصيتين.
وحسب الطبيب الشرعي فإنه تبين بالتشريح وجود تشوه في الشرايين الرئيسة المغذية للقلب أدت الى الوفاة. وكان الدكتور أشرف القدرة الناطق باسم وزارة الصحة بغزة ذكر ان وزارة الصحة تتابع مع الجهات المختصة و نقابة الاطباء، للتحقيق في احتمالية وقوع خطأ طبي ادى الى وفاة المواطن أشرف أحمد خلف في مستشفى الخدمة العامة بغزة.
وقال القدرة في معرض رده على نشطاء على قناة الواتس أب التابعه لوزارة الصحة :" النشطاء الذين زعموا أن ملف الاهمال الطبي يتم إغلاقه بالنتيجة و لم يذكر قضية واحدة فيها فعلا إهمال طبي مثبت و تمت محاسبة المسؤولية عنه في وزارة الصحة ".
وأضاف القدرة:" كل القضايا التي ترفع لوزارة الصحة يتم متابعتها و البت فيها و يعطى الأهل نتيجة التحقيق و الذين هم جزء منه و يتم العمل بكل التوصيات سواء على المستوى الفني أو الإداري أو القضائي و هذا الأمر يتابع من خلال المراكز المختصة و المهتمة خارج الوزارة وصولا إلى المحاكم دون الحاجة للإعلان عنها إعلاميا ".
بتر القدم
أما عن الشاب فادي فقد كان أيضاً ضحية لخطأ طبي أدى إلى بتر قدمه إثر تعرضه لكسر في القدم أثناء لعبه لكرة القدم مع أبناء الجيران ، ليكون نتيجة هذا الكسر ووضع الجبيرة بشكل خاطئ أن يفقد ذلك الشاب قدمه والتي ما زال يعاني من أثرها حتى يومنا هذا .
ويقول فادى لـ " الرأي" :" لقد كنت في ذلك الوقت أبلغ من العمر 14 عاماً وبينما ألعب مع أصدقائي من أبناء الجيران كرة القدم ، إذ بي أصاب بكسر الأمر الذي دفع أهلي للإسراع بي للمستشفى فما كان من الطبيب إلا أن قام بوضع الجبيرة على قدمي على أن أعاود الكشف عنها بعد أسبوع وان ألاحظ اى تغيرات وبينما هي كذلك إذ تعرضت قدمي للغرغرينة التي قضت على قدمي حتى فوق الركبة ليكون مصيرها البتر "
يضيف :" لم يكن الطبيب يتحمل بان يلقى على نفسه اللوم أو أن يؤنب نفسه بل كان النكران سيد الموقف محملاً أهلي المسؤولية عن عدم الملاحظة مع أن السبب الرئيسي في الموضوع هو عدم وضع الجبيرة بشكل صحيح ".
حالة جديدة
أما عن المواطنة نايفة رضوان وهى تبلغ من العمر 54 عاماً فقد كانت تعانى من مياه بيضاء على العين وقد تم تحديد إجراء عمليه لها في مستشفى العيون بغزة بعد صولات وجولات وفحوصات عدة وفى يوم العملية كادت المواطنة أن تفقد حياتها نتيجة الاستهتار بحياة المواطنين لتخرج من المستشفى بشلل في أصبعها نتيجة إعطائها ابره في يدها أدت لشلل إصبعها .
لتقول رضوان للـ " الرأي" :" الحمد لله أنى قد خرجت بشلل باصبعى ، ولم أسجل ضمن الحالات التي نسمعها بين الفينة والأخرى عن وفاة شخص هنا وأخر هناك نتيجة الأخطاء الطبية ، لتعاود إجراء عمليتها في مستشفى خاص خشية من تلك الأخطاء الطبية التي باتت تؤرق مضاجع من يعاني الأمراض .
الأخطاء الطبية ..ودور الوزارة
بدوره , قال مدير عام الشئون القانونية في وزارة الصحة سعيد البطة:" عندما يتقدم المشتكي بشكوى لوزارة الصحة أو النيابة العامة أو المجلس التشريعي أو منظمات حقوق الانسان العاملة في القطاع، يتم التعامل مع الشكوى المقدمة بشكل فوري.
وأكد البطة على وجود دائرة مختصة في الوزارة، مهمتها قبول شكاوى الأخطاء الطبية، مشيرًا إلى أنه فور ورود شكوى للوزارة بوجود خطأ طبي يتم تشكيل لجنة فنية مختصة؛ للتحقيق في مضمون الشكوى لمعرفة وجود إهمال طبي أو لا.
وأشار إلى أن أعضاء اللجنة يتم تشكيلهم من خارج المستشفى أو الموقع المشكو منه وذلك من باب الحيادية والنزاهة، لافتًا إلى أن اللجنة تتشكل من أعضاء من وحدة التمريض والإدارة العامة للشؤون القانونية، والإدارة العامة للرقابة.
وقال: "تقوم اللجنة بالتحقيق وتتحفظ على الملف الطبي للمريض والاستماع لكل من له علاقة بالشكوى سواء كان المشتكي نفسه (المريض)، أو الطاقم الطبي الذي تعامل مع الحالة المرضية، ومن ثم تعمل اللجنة على رفع التقرير بتوصياته إلى وزير الصحة، ورئيس اللجنة".
وأضاف: "بعد اعتماد التقرير يتم إعطاء مقدم الشكوى صورة عن النتيجة موضحا بها وجود خطأ طبي أو لا"، مؤكدًا أنه في حال تبين وجود خطأ طبي أو إهمال صدر من قبل الطاقم الطبي يتم معاقبة أي موظف قصر أو أخطأ وفقًا لقانون الخدمة المدنية خاصة نص المادة (68) والتي ذكرت 10 عقوبات تقع على المقصر.
وبين البطة أنه يتم إيقاع العقوبة على الموظف وفقا لمبدأ تناسب العقوبة مع المخالفة، مشيرًا إلى أن الأمر ينطبق على كافة المستشفيات المنتشرة في قطاع غزة كون وزارة الصحة هي من يمنح الترخيص للقطاع الخاص سواء كان ذلك مستشفيات أو عيادات أو مراكز طبية، منوها إلى أن قانون الصحة العامة أعطى الصلاحية للوزارة بالنسبة لإنشائها أو إغلاقها أو غير ذلك
في السياق ذاته , ناشد البطة كافة المواطنين وعند الاشتباه بوجود تجاوز ما من أحد مقدمي الخدمات الصحية ضرورة التوجه إلى الجهات الرسمية في الوزارة لتقديم شكواه والابتعاد عن الاعتداء على المرافق الصحية وأطقم العمل الصحي لأن في ذلك تجاوز يعاقب عليه القانون , حيث أشار إلى وجود خدمة الرقم المباشر 103 والذي يستقبل شكاوى المواطنين على مدار الساعة ويعمل على ايجاد حلول مباشرة لهم بالإضافة إلى وجود دائرة الشكاوى بالوزارة وهي تتبع مباشرة لديوان الوزير وتقوم على استقبال شكاوى الناس والتعامل معها.
وعن وجود آلية ضابطة يسار إليها عند حدوث اشتباه بخطأ طبي , ينصف المريض ومقدم الخدمة الطبية , أشار أ. سعيد البطة أن جهودا بذلت في هذا السياق قبل سنوات من أجل الخروج بقانون المسائلة الطبية إلا أن المنتج النهائي لهذا القانون لم يرى النور حتى الآن بسبب ظروف عديدة على رأسها الانقسام .
أوجه المسؤولية
وبحسب قانون العقوبات المعمول به في الأراضي الفلسطينية يترتب على الطبيب الذي ثبت وقوع إهمال منه، ثلاثة أنواع من المسؤولية: مسؤولية تأديبية تفرضها الجهة التي يتبعها الطبيب مهنيا أو وظيفيا، كنقابة الأطباء أو وزارة الصحة، ومسؤولية جنائية ومسؤولية مدنية تفرضهما المحكمة بناء على طلب النيابة العامة، أو مطالبة المتضرر أو ورثته.
ويقصد بالمسؤولية الجنائية حالة الشخص الذي ارتكب فعلا سبب ضررا للغير، ما يستوجب مساءلة القانون له بعقوبة جزائية. فقد يهمل الطبيب ويخل بالتزاماته المهنية، فينتج عن عمله هذا إضرار بالغير، ما يستوجب مساءلته جنائيا.
وتتنوع حالات الإهمال الطبي في إساءة معاملة المرضى، وإعطاء كمية مرتفعة من المخدر لا تتلاءم مع سن أو وزن المريض، وإعطاء وحدات دم ملوثة، وترك مواد في بطن المريض، وعدم دقة التشخيص, كما اختلفت النتائج التي خّلفها الإهمال، فبعضها نتج عنه ضرر بسيط بالمريض، لكن بعضها الآخر أدى إلى الوفاة.

