بالرغم من تفتح العقليات داخل المجتمع الفلسطيني، إلا أن الكثيرين لا زالوا يتعاملون بشكل سلبي فيما يتعلق بأهالي العملاء والمتخابرين مع الاحتلال "الإسرائيلي"، فبين معشية وضحاها تتغير نظرة البعض لهؤلاء ويلصقون بهم وصمة عار أبدية، فيحطون من قدرهم وينبذونهم ويبتعدون عن مصاهرتهم بذريعة أن العرق دساس، فضلا عن حرمانهم من إكمال حياتهم بشكل طبيعي من خلال استراق النظر إليهم بعنفوانيه والتحقير من مكانتهم.
ويضطر أهالي المتخابرين إلى دفع ثمن خطيئة لم يقدموا على ارتكابها بسبب النظرة الدونية للمجتمع، الذي لا يرغب في الفهم أو التفريق بين المتخابر وبين عائلته الذي لا ذنب لها سوى أن هذا الشخص أحد أفراد عائلتها.
الظروف قاسية ولكن؟
يقول المواطن أحمد القرا:" إن سوء الأوضاع الاقتصادية والفقر والانقسام الملعون أسباب رئيسية في زيادة عدد العملاء، حسبنا الله ونعم الوكيل"، موضحاً أنه يجب أن ننظر بعين الرأفة والرحمة لأهالي المتخابرين لأن لا ذنب لهم.
ويوافقه الرأي المواطن حسن أبو سخيل حيث يؤكد أن أهالي المتخابرين لا يتحملون كامل المسئولية، ولا شك إن كان هناك قصور في تربية أبنائهم، وكذلك المجتمع نفسه له دور، لكن في جميع الحالات لا يوجد مبرر للتعامل مع الاحتلال، ولا يوجد أي مبرر للخيانة"، لافتا إلى أنه يكفي الأهل ما سيلاقونه من مجتمع لا يرحم فهذا عقاب قاسي لهم .
وبما أن العائلة هي المسئولة عن تربية أبنائها فإن المواطن عصام أبو شمالة يؤكد أن العمالة والخيانة تربية وسلوك، فهل العائلة تغفل عن تصرفات وسلوك أبنائها، محملاً المسئولية للعائلة كونها المسئولة عن متابعة أبنائها، وأنه مهما حاول العميل إخفاء نفسه لابد أن يكشف من خلال السلوك الغير طبيعي له، وليس من المنصف تعليق هذه الجريمة على شماعة الأوضاع السياسية والاقتصادية وغيرها، وإلا تحول 80% من الشعب إلى عملاء ولصوص ومجرمين، على حد تعبيره.
ويعرف العميل أو المتخابر في المجتمع الفلسطيني على أنه ذلك الشخص الدنيء الذي قبل على نفسه الذل بائعا بذلك كرامته وإنسانيته إلى الاحتلال الإسرائيلي ومساعدته في تخريب بلده أمنيا وسياسيا واقتصاديا.
وصمة عار أبدية
وبما أن أهالي المتخابرين أو العملاء يدفعون ثمن أخطاء أبنائهم من خلال النظرة الدونية للمجتمع تجاههم، فإن الأخصائي الاجتماعي والتربوي نور الدين محيسن يرى أن النظرة الدونية والسلبية للمجتمع تجاه ذوي المتخابر تؤثر اجتماعيا ونفسيا عليهم، وخاصة الزوجة والأولاد بالدرجة الأولى .
ووفق ما ذكره محيسن في حديثه للرأي، فإن أسباب النظرة السلبية لأهالي المتخابرين مع الاحتلال تعود إلى أن المجتمع يرى في التخابر مع العدو وصمة عار أبدية تلاحق المتخابر وأهله وكل من له صلة بهم، مؤكداً أن النظرة السلبية للمجتمع ترجع حسب الثقافات، حيث لا يوجد وعي كاف لدى الناس بأن أهالي المتخابر ليس لهم ذنب.
ولا تتوقف معاناة أهالي العملاء عند النظرة التحقيرية من قبل المجتمع الرافض لهم، حيث يضطرون في بعض الأحيان إلى ترك منطقة سكناهم، أو الاكتفاء بالجلوس بالمنزل ولا يخرجون إلا للضرورة القصوى، كما يتحايدون الحديث والاختلاط مع الآخرين خشية أن يمسهم أحد بكلمة سوء.
وفي السياق ذاته، يؤكد محيسن أن الوضع الاقتصادي والمعيشي السيئ الذي يعيشه المواطنين في قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من عشر سنوات متواصلة، هو الأرضية الخصبة للجوء الكثيرين إلى التخابر مع الاحتلال، وهذا الأمر لا يعني أن الأسرة لا تتحمل ذنب، ولكن السبب الرئيسي يعود لما تعيشه غزة من حصار مطبق.
الوعي والتثقيف
وفيما يتعلق بكيفية تحسين نظرة المجتمع لعائلات المتخابرين مع الاحتلال، يؤكد الأخصائي النفسي زهير ملاخة أن الحلّ يكمن في توعية المجتمع بأن أهالي العملاء هم ضحايا فقط وليسوا مجرمين وأن لا ذنب لهم فيما اقترفه أبناؤهم، إلى جانب احتواء هذه العائلات والتخفيف من حدّة الآثار النفسية السلبية عليهم، ودعمهم وإعادة دمجهم في المجتمع بحيث يتم تخفيف الضغوط التي يواجهونها.
يقول ملاخة في حديث للرأي:" إن تحسين نظرة المجتمع يكون من خلال التركيز على الوعي العام بأن الخطأ والذنب يتحمله صاحبه فقط وليس أهله، ومن خلال التأثير على الطبقة المتعلمة من طلاب جامعيين وأكاديميين ومثقفين للعمل على نشر ثقافة التقبل وعدم تحميل العوائل خطأ فرد من العائلة.
ويلعب الجانب الاعلامي دوراً مؤثرا في تغيير نظرة المجتمع السوداوية تجاه أهالي المتخابرين بشرط عدم التسبب بأي حرج لأي من الأسر أو الأفراد، كما تتحمل مؤسسات المجتمع المدني دورا هاما في تكثيف التوعية من خلال ورش العمل لتحقيق هذا الهدف تحت عناوين مختلفة لأي فرد اقترف خطأ معين كالسارق والمدمن أو تاجر المخدرات، أو حتى المتخابر أو أصحاب السلوك اللاأخلاقي.
ويضيف ملاخة:" المطلوب من المجتمع بمؤسساته وأعيانه وعوائله القيام بإشراك تلك الأسر والتعامل معها كوضع طبيعي لتحقيق التفاعل الاجتماعي وكسر أي حاجر داخلي وإزالة أي مشاعر سلبية قد تحد من نشاطها وتفاعلها، وفي نفس الإطار يجب على عائلة المتخابر ألا تحمل نفسها أو تجلد نفسها وتحكم عليها بالانهيار والضياع بسبب سلوك فرد قد تعرض لنوع من الظروف أصبح من خلالها عميل".
وإلى جانب ذلك، فإن المطلوب من المجتمع والمؤسسات المجتمعية التفكير بطريقة ايجابية تمنحهم الحفاظ على أنفسهم أكثر والثقة بالنفس أكثر، وتخلق التنافس مع ذواتهم ومجتمعهم بأنهم أهلا للخير والعطاء، وبهذا السلوك لا يمكن أن نمكن ضعاف النفوس من بث سمومهم وإشباع شهواتهم البهائمية في تحقيق الشماتة والقيل والقال، وإشعار تلك العائلات بوصمة عار أصابتهم وهم منها براء.
العقوبة شخصية وليست جماعية
عميد كلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية د. ماهر السوسي يقول:" في الاسلام فإن الانسان مسئول عن تصرفاته وسلوكه، والعقوبة شخصية وليست جماعية، ولا تتعدى الشخص الجاني بأي حال من الأحوال، يقول الله عز وجل في كتابه:" ولا تزر وزارة وزر أخرى"، كما يقول عز وجل:" كل إمرىء بما كسب رهين ".
ويؤكد السوسي في حديث للرأي، أن عائلة المتخابر لا تتحمل وزر ابنها بأي حال، ولا يجوز عقلا أن نحمل عائلته المسئولية بسبب جريمة لم ترتكبها، موضحا أن نظرة المجتمع يجب أن يتم تصحيحها وأن الحكم في النهاية هو الشرع.
ويحتاج المجتمع الفلسطيني للتثقيف وتغيير النظرة السلبية لأهالي المتخابرين، حيث تلعب المؤسسات التعليمية والمساجد من خلال الوعاظ دورا هاما في هذا التغيير، فالعميل والمتخابر يلام ويحاسب على ما اقترف من جرم، وتقويم هذه الثقافة المجتمعية، فالإنسان مرهون بعمله وتصرفاته وسلوكه، وفق ما ذكره السوسي.
باب التوبة مفتوح
وكانت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة، قد أعلنت عن فتح باب التوبة لمن وقع ضحيةً للاحتلال وأجهزة مخابراته لمدة أسبوع.
وقالت الداخلية:" انها فتحت باب التوبة للعملاء اعتباراً من يَوْم الثلاثاء الموافق 4/4/2017، وحتى الساعة الثانية عشر من مساء يوم الثلاثاء الموافق 11/4/2017، من خلال التواصل مع أقرب شخص على علاقة مباشرة بالأجهزة الأمنية يثق به المتخابر".
وأكدت أنها ستوفر لمن يسلم نفسه الحماية الأمنية والقانونية ومعالجة قضيته وفق ظروف السرية التامة وخارج المقار الأمنية، موضحة أن هذه المدة تمثل طوق نجاة وفرصة حقيقية لمن تورط في التخابر والعمالة مع الاحتلال، وأراد التخلص من العار الذي لحق به، وتحكيم العقل والرشد، والعودة إلى حضن الأهل والوطن والعيش آمناً مطمئناً في نفسه وبلده.

