غموض قاتم ما زال يكتنف قضية المختطفين الفلسطينيين الأربعة, بعد مرور 602 يوماً على اختطافهم من قبل عناصر أمنية في سيناء, في ظل غياب أي معلومات رسمية حول مصيرهم المجهول يروي عطش أهلهم المشتاقين لهم.
جمرات الفراق والخوف من المصير المجهول يكويان قلوب عائلات المختطفين الأربعة والذين تمت عملية اختطافهم أمام أعين المسافرين، حينما اقتحم الملثمين "باص الترحيلات" وبدأوا بالمناداة على كل من" ياسر زنون، عبدالله أبو الجبين، حسين الزبدة، عبد الدايم أبو لبدة"، ومن ثم اقتيادهم إلى جهات مجهولة، رغم أنهم كانوا متوجهين إلى تركيا للدراسة وللعلاج.
ذوو المختطفين طرقوا كل الأبواب الرسمية وغير الرسمية دون إجابة تسد رمق أبنائهم, وغياب واضح للسلطة الفلسطينية وسفارتها في القاهرة والتي وضعت الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة عملها, ما يجعلها في موقف المدان.
فئة مارقة
أهالي المختطفين نظموا عشرات الوقفات للمطالبة بضرورة الإفراج عن أبنائهم، وأنهم بانتظار خبراً مؤكداً حتى اللحظة ببقاء أبناءهم على قيد الحياة".
الناطق باسم عوائل المختطفين محمد أبو لبدة قال إن ملف المختطفين الأربعة لم يزل على حاله رغم مرور أكثر من مئتيّ يوم دون الحصول على أي معلومات تشفى الصدور.
وتابع أبو لبدة:" ما يزيدنا قهرًا هو أن أبناءنا اختطفوا على يد فئة مارقة على أرض مصرية عربية شقيقة، ولم يحرك أحد للآن ساكنًا، لكشف ملابسات الجريمة وخيوطها ومُحاسبة مُرتكبيها".
وأشار أبو لبدة إلى أن الأمور باتت واضحة لدى جهات الاختصاص المصرية والرسمية الفلسطينية، فيما يتعلق بطريقة الاختطاف وكيفيتها وزمانها ومكانها.
ووفق أبو لبدة فإن معلومات وصلتهم بأن أبناءهم موجودين داخل أحد السجون المصرية ويلقون أشد أصناف العذاب، بادين خوفهم من المصير المجهول الذي قد يلحق بأبنائهم.
تقاعس
واتّهم أبو لبدة الجهات الأمنية المصرية بالتقاعس عن كشف مصير الشبان الأربعة وحمايتهم منذ البداية، حيث إنه سمح لهم بالدخول إلى مصر بطريقة رسمية، وكان يفترض أن توفر لهم حراسة أمنية مشددة، مشيرا إلى أن الشبان الأربعة خطفوا بين كمينين للجيش المصري من على حافلة الترحيلات وعلى مسافة قريبة من معبر رفح على حد قوله.
وأكد أبو لبدة أنهم لم يتلقوا حتى الآن أي معلومات رسمية عن مصير الشبان الأربعة سواء من الخارجية أو الرئاسة المصرية، التي اكتفت بالقول إنه يجري التحقيق في الحادثة ومن يقف وراءها.
وشدد أبو لبدة أنهم تواصلوا مع السلطة الفلسطينية وسفارتها إلا أنهم لم يجدوا سوى صمت القبور من قبلها، داعياً السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس بتحكل مسئولياته تجاه هذه القضية على حد قوله.
عظم الحزن
والدة المختطف في السجون المصرية "عبد الدايم أبو لبدة" والذي يبغ خمسة وعشرين عاماً, تحدثت مع "الرأي" وعبرت عن عظم الحزن الذي يرواد حياتها في ظل غياب ولدها الذي كان ينوي السفر للخارج ليمكل مشروعه الدراسي ,إلا أن اختطاف المصريين له حال دون تحقيق أحلامه .
وقالت والدة أبو لبدة وهي تحتضن بقلبها صورة ولدها الأخيرة المعلقة على جدران بيتها ,عبدالدايم قبل جبيني وهو طالع وحضني وقال لي :"لن أطيل السفر يآ أمّي فلا تقلقي عليّ ,فأنا أصبحت رجلاً لا يخاف شيئا طالما دعواتك تطالني" ,لكنه لم يجب على هاتفه حتى هذه اللحظة ,أتخيل لو أنه يأتي في اي لحظة ,أتمنى أن ألمح اسمه على شاشة هاتفي ليتحدث إليّ ,حتى أنه يخيّل إليّ في كل من دق الباب بأنه الآتي وليس أحداً غيره إلينا !.
"افتحولي المعبر بدي أروح أدور على إبني هناك وما برجع إلا لما ألاقيه" رددت إم عبدالدايم تلك الكلمات الموجعة والتي لا تخرج سوى من قلب يتصدع وجعا وحزنا على مصير فلذة كبدها.
حياة ذوي المختطف عبدالدايم لم تعد كما كانت , فأطفأت أضواء الحياة حتى يعود عبدالدايم يشعلها من جديد بنفسه ويرجع إلى غزته اليتمية منه مرة أخرى , سيما أنهم يطالبون بأبسط ما يمكن الوصول إليه وهو الاطمئنان على حياة أبنائهم على الأقل.
أحلام واهية
فِي اللحظة التي انتظر فيها حُلمآ أوشك أن يتحقق لم يكن يمنعه سوى تلك البوابة التي علّق آماله كما الكثيرون من شبان القطاع ، وحين أيقن باللحظة التي سيتحقق فيها حلمه عزم على مغادرة القطاع إلى تركيا بعد ان اعلنت السلطات المصرية فتح معبر رفح البري لثلاثة أيام على التوالي .
الشاب ياسر زنون واحد من الذين خرجوا لتحقيق أبسط طموحاته بإكمال دراسته في الخارج , لكِنه لم يدر بما يختبئ له خلف بوابة المجهول في معبر رفح البري ليتم اختطافه وزملائه دون مبرر على حين فجأة من سفرهم بتأمينات مصرية كاملة لإكمال اختطافهم على أكمل وجه حسب اتفاقهم مع الجهات الرسمية بالتعاون مع أجهزة المخابرات الفلسطينية والقوات الحربية بمصر وجهات أوروبية أخرى جاء ذكرها خلال وثيقة مسربة.
أما عن المختطف حسين الزبدة في مطلع الثلاثين من عمره ,ترك خلفه طفلين لا زالا يتحسسا صورة والديهما ويقبلاها صباحا ومساء حين يأوون إلى النوم ,ولا تتوقف أسألتهم "وين بابا ,متى بابا جاي؟ ,بدي بابا ........" .
تحتار عائلة الزبدة كيف لها أن تشرح لأطفالها بأن أبيهم اختطفه المصريين وليس الاحتلال الذي يعتقل آلاف الفلسطينين , تحتار كيف تحفظ لأطفالها خاطف أبيهم من غير اليهود !!.
لكل من الشبان الأربعة قصة تنسج خيوط معناته ليحقق حلمه سواء إكمال دراسته الجامعية في الخارج أو لتلقي العلاج في الخارج , كما لكلمواطن غزي يحيا في وطنه الصغير المحاصر قصة معاناة نسجت خلال سنوات الحصار التسع .
المطالبات المستمرة من ذوي المختطفين لا تتوقف ,الاعتصامات على أبواب المعبر الذي لا يصب إلا الآم والأحزان وذكريات الفجع الاكبر لا يغادرنه أمهات المختطفين الأربعة ,التسؤلات المستمرة على أسباب اختطافهم وإخفاء أخبارهم لا تنقطع .
فأمهات الشباب الأربعة لا يغمض جفونهن ,حتى أنهن لا يصنعن أشهى المأكولات ولا يصنعن تلك المأكولات التي يحبها أبنائهم المختطفون في الأراضي المصرية , يطول الانتظار وتكثر وتبقى الماطلبات ملحة للجانب المصري لإرجاع المختطفين لأحضان وطنهم لكن دون رد يشفي الصدور من الجهات المصرية التي تتهرب في كل مرة تتعرض فيها للتساؤل عن أوضاع الشبان الأربعة .
جريمة إصرار وترصد
هيئة الحراك الوطني طالبت بتكاثف الجهود لمعرفة مصير الشبان الأربعة الفلسطينيون المختطفون
وأكدوا أن حادثة الاختطاف التي تعرض لها الشبان الفلسطينيون في معبر رفح تعتبر مؤشر خطير على طبيعة الأحداث الجارية بين مصر وقطاع غزة، فأصبح الفلسطينيون لا يأتمنون على أرواحهم لدى الجارة الشقيقة مصر.
وأكدت هيئة الحراك الوطني أن هذه الحادثة مدبرة لاختطاف الشبان الفلسطينيين الذين كانوا يتواجدون في الحافلات، مؤكدة أن الاختطاف يصنف جريمة وفق القوانين الدولية والانسانية ولا يحق لأي جهة أو شخص من المساس بالسلامة البدنية للأشخاص وحريتهم وتهدد أمنهم.
وطالبت الهيئة السلطات المصرية بالعمل على سرعة إطلاق سراح المختطفين بحكم مسؤوليتها الأمنية، مؤكدة حرص الشعب الفلسطيني على إقامة علاقات طيبة وجيدة مع مصر، بعيدة عن كل الشوائب والمعيقات.
كما وشددت هيئة الحراك الوطني على حق عائلات المختطفين في معرفة مصير أبناءها بعد أن فجعت كل منها بابنها المختطف ، مطالبة كافة الجهات بالتدخل السريع لإنهاء هذه الأزمة, موضحة أن الشبان كانوا في طريقهم لجامعاتهم، وتعليمهم، وعلاجهم، بعد أن منحتهم مصر تأشيرة دخول بشكل رسمي، عبر معبر رفح البري، ليسافروا مرورا عبر الأراضي المصرية.

