تشابك أسلاك الأجهزة العلاجية من حوله أخفت ملامح وجهه الصغير الذي لا يتجاوز حجم كفة اليد، جسده الصغير حديث الولادة وحديث العهد بالمرض شهد منعاً لاذعاً في ممارسة حقه كبشر في التعافي داخل مشافي الأراضي المحتلة.
الأيام السبعة "الأولى والأخيرة" من عمر الرضيع مصعب بلال العرعير كانت أيام معاناة لذويه بدل أن تكون أيام ابتهاج وسط العائلة، فقد ولد مصعب بمشاكل صحية في القلب، كانت تستدعي تحويله للعاجل في أحد مستشفيات إسرائيل.
ومنذ اللحظة الأولى سعت عائلة الرضيع لتحويله لخطورة حالته، لكنها اصطدمت بتعقيدات إجراءات التحويل ورفضها من قبل السلطة الفلسطينية، وتوفى مصعب بعد أسبوع من ولادته.
والد الرضيع بدا حزينا وهو يستقبل مواسيه ومعزيه من الأقارب والأصدقاء، حيث قال :"ولد مصعب يوم الاثنين 19 يونيو/حزيران 2017 وتوفي يوم 26 من الشهر نفسه، ومنذ اللحظة الأولى لولادته حاولنا تحويله للعلاج في مستشفى المقاصد بمدينة القدس لكنهم رفضوا لصعوبة الحالة، وكذلك فعل مستشفى الخليل، لكن مستشفى "تلهشومير" وافق".
يتابع "نعتقد أن هذا التأخير متعمد من قبل السلطة الفلسطينية الأمر الذي تسبب بوفاة ابني"، وأشار إلى أن حالة طفله الصحية كانت معقدة ولا يمكن علاجها في مستشفيات غزة "فقلبه كان خارج القفص الصدري، والحبل السري ملاصق للقلب إضافة لمشاكل أخرى".
أصابع البنان المرتجفة بأيدي الأطفال الرضع المرضى وأقرانهم الذين ووري جسدهم الثرى، تشير إلى قاتل أرواحهم المباشر، فلا تغطى الحقيقة المرة بغربال كما قرص الشمس الملتهب في صيف غزة المحترق بارتفاع درجة حرارته.
جريمة متكاملة
الناطق باسم وزارة الصحة أشرف القدرة حمّل الاحتلال والسلطة مسؤولية وقف التحويلات الطبية لمرضى قطاع غزة، واتهمهما بتبادل الأدوار، فالسلطة ترفض توريد الأدوية لمستشفيات قطاع غزة، وتهمل الرد على التحويلات المرضية، في حين يمنع الاحتلال أهالي المرضى الذين تتم الموافقة على تحويلاتهم لتتفاقم معاناة مرضى القطاع.
وأوضح المسؤول الطبي أنه عندما يطلب للمريض تحويلة علاجية يعني أن الطواقم الطبية استنفذت كل ما لديها تجاه هذا المريض، ولا يوجد لديها ما تفعله، ويكون بحاجة ماسة وعاجلة للعلاج خارج قطاع غزة.
واعتبر القدرة أن استمرار وقف تحويل المرضى بشكل عام، ومرضى الأورام وسرطان الدم الذين يحتاجون العلاج الإشعاعي يزيد ظروفهم سوءا واصفا ما يحدث بأنه جريمة مكتملة الأركان، مطالبا كافة الجهات الحقوقية والمعنية بالتدخل لوقف هذه الجريمة تجاه مرضى قطاع غزة.
وقال مدير دائرة التحويلات الطبية بالقطاع بسام البدري في تصريح نشرته الوكالة الرسمية للحكومة الفلسطينية "إن الاحتلال هو السبب في وفاتهم برفضه السماح لمرافقهم بالخروج من قطاع غزة تحت حجج وذرائع أمنية واهية.
وأضاف "الأطفال الذين توفوا مؤخرا في قطاع غزة، حصلوا على تغطية مالية من وزارة الصحة، وتقدمت دائرة التحويلات الطبية بطلب الحصول على تصاريح لمرافقيهم عدة مرات لكن الاحتلال رفض ذلك بحجة المنع الأمني، ما تسبب في عدم تمكنهم من الخروج.
وأوضح البدري أن من أهم معيقات العمل لدائرته هو الرفض الأمني من قبل الاحتلال، حيث يتم رفض حوالي 50% من الحالات التي يجري طلب تصاريح لخروجها من قطاع غزة للعلاج في مشافي الداخل والضفة.
وزارة الصحة بغزة أعلنت عن وفاة أربعة أطفال خلال ثلاثة أيام بسبب رفض السلطة الفلسطينية تحويلهم للعلاج خارج القطاع، وهم الأطفال الرضع مصعب العرعير، وبراء غبن، وإبراهيم طبيل، وآخرهم يوسف الأغا، ليرتفع عدد الوفيات بسبب مشاكل التحويلات الطبية منذ بداية العام إلى اثني عشر مريضا.
وتجدر الاشارة إلى أن نسبة تصاريح المرضى من غزة عام ٢٠١٢ بلغت ٩٢٪ والان ٥٥٪ فقط، بينما التحويلات انخفضت من ٢١٠٠ في المتوسط شهريا الى ١٤٠٠ نهاية مايو الماضي ومتوقع ان تصل الى ٣٠٠ الى ٤٠٠ فقط مع نهاية الشهر الجاري.
رقم المرضى وعدد الضحايا في تصاعد طالما بقيت السلطة الفلسطينية على عنادها في إطباق الحصار على أطفال القطاع ومرضاه، فقد حكمت على كل مريض يعاني الأمراض المستعصية على العلاج في القطاع بالموت القسري خلال فترة قصير جدا ولكن ببطء شديد.

