على قلب رجل واحد يقف مئات المقدسيين أمام البوابات الإلكترونية، وقوفهم ليس فارغا، بل يمتلئ بإقام الصلوات الخمس وإشغال ما بينها بالتكبير والتهليل والهتافات الرافضة للخضوع والركون لمسببات الذل والهوان.
لثلاثة أيام أغلقت قوات الاحتلال أبواب المسجد الأقصى وأخلت من بداخله من مرابطين ومصلين وأئمة ومسلمين، عاثت خلالها بداخله فساداً، ونصبت في ساحاته أبواباً إلكترونية فاحصة للمواد المعدنية، وفي أمكان خفية مخبئة وزعت الكاميرات وهيأته لإدخال المرابطين إلى ما أشبه بقفص مكبل يخضع للحصار.
هذه المرة قرر المقدسيون الوقوف بكلمة واحدة أمام باب الأسباط الذي تليه أبواباً إلكترونية تفتش وتفحص الداخل عبرها قسراً، ورغم اشتياقهم لعناق قبة الصخرة ومسجدهم إلا أنهم قرروا أن يتعاملوا بحزم مع أخطر مرحلة ممكن أن تمر على المسجد الأقصى المبارك بكسر أجنحة الحصار التي تمارس ضدهم وضد مسجدهم لكبح جماح المنتفضين في أروقته على الظلم.
أبعاد خطيرة
ويذكر مدير المخطوطات والتراث الإسلامي في المسجد الأقصى رضوان عمرو، أن مثل تلك البوابات نصبت قبل خمس سنوات، وأن الصمود المقدسي نجح في إزالتها عام 2015 من محيط المسجد، وتسبب ذلك بإحباط شديد للمستوى السياسي والأمني والديني الصهيوني.
واستشهد عمرو " للرأي" بنجاح المقدسيين في إزالة غرف حراسة مستحدثة للجنود على البوابات، ويومها كان الرافضون لها من أهل القدس أقل عددا في الميدان، وربما اقل وعيا بخطورتها المرحلية والمستقبلية إلا أنهم نجحوا رغم ذلك في إفشالها، وانهارت بعدها تدريجيا قوائم الابعاد الانتقائية الظالمة للنساء وغيرهن.
وحذر عمرو من مدى خطورة تركيب البوابات ورضوخ المقدسيين لها والدخول عبرها، بقوله أنها تمهد لإنهاء آخر مظاهر الوصاية العربية الإسلامية على المسجد وإنهاء الاعتكاف الليلي داخل المسجد الأقصى المبارك، وإحكام القبضة الأمنية المطلقة على المسجد الاقصى المبارك.
وقال عمرو إنها إعلان بشكل صريح لحرمان المسلمين من الدخول بحرية وتقليص أعداد المرابطين والمصلين على المدى البعيد، فضلا عن إنهاء دور الأوقاف الإسلامية وقبر أي دور رقابي لحرس المسجد.
وينوه عمرو أن فرض السيطرة بقوة السلاح تعني الإعدام الميداني لكافة أعمال الاعمار والترميم للمسجد الأقصى بمنع مواد الترميم، العبث بجنائز أموات المسلمين الوافدة للصلاة عليها في الاقصى واهانتها.
وتعمل البوابات على اتاحة بوابات جديدة على غرار باب المغاربة لاقتحامات اليهود والسياح للمسجد، كما تهدف لإنهاء كل محاولة لدخول شبان من الضفة الغربية بلا تصاريح في رمضان، وتمتد إلى تصفية كل أعمال الاحتجاج والاعتكاف والتظاهر والمواجهة من داخل المسجد.
وتصل أبعاد خطورة تلك الأبواب إلى شلّ ما تبقى من الحركة التجارية في البلدة القديمة وانهاء أسواق كاملة على المدى المتوسط والبعيد مثل اسواق البلدة القديمة قرب المسجد الابراهيمي، وشلّ حركة الاعمار والترميم ودخول مواد البناء للبلدة القديمة بشكل عام ولمحيط الاقصى.
وتسهل البوابات الفاحصة بحسب المقدسي عمرو تنفيذ الإعدامات الميدانية، تدمير ما تبقى من النسيج الاجتماعي في البلدة القديمة وتسريع اخلاء وتهويد عقاراتها الاسلامية.
لا لبوابات الذل
وأطلق مجموعة من المرابطين النداءات إلى كل فلسطيني، بضرورة تكثيف التوافد إلى المسجد الأقصى ودعم الاعتصامات المنددة بحصار المسجد الأقصى ومن بداخله.
المحامي المقدسي خالد زبراقه قال " للرأي" إن البوابات الإلكترونية هي أدوات تهويد وإخضاع وسيطرة وليست إجراءات سلامة وأمن، موجهاً نداء للمقدسيين :"انتبهوا إلى المفردات جيداً، هي جزء أساسي في الحرب على المسجد الأقصى المبارك".
ويقول زبراقة :"كثيراً كنت أتساءل لماذا اختلفت الأحاديث في أجر العبادة في المسجد الأقصى المبارك، الآن فهمت أن أجر الصلاة في الأوقات المريحة يختلف عن أجرها في أوقات الشدة، أجور كبيرة للمرابطين على ثغر المسجد الأقصى".
أما عن المرابطة هنادي حلواني قالت إن المسجد الأقصى في البارحة كان مغلقا من الاحتلال، واليوم فهو مغلق بقرار مقدسي بحت، فالفئة القليلة المهتمة بالأقصى من أهل القدس رفضت دخول الأقصى من البوابات الإلكترونية ، وحبذت الصلاة خارجه على الصلاة فيه، فكانت النتيجة نساء على الأرض وشباب تحت الضرب.
ووجهت حلواني دعواتها بتكثيف التواجد على أبواب المسجد الأقصى، وتكثيف الاعتصامات والتوحد بكلمة واحدة أمام الغطرسة الصهيونية وكسر الحصار عن المسجد الأقصى ليعيده الاحتلال على ما كان عليه سابقاً.
واعتبرت حلواني أن أهل القدس والمرابطين فيه يمرون باختبار صعب عليهم اجتيازه بنجاح، كل ما في الأمر الثبات والصمود والبقاء على ذات المبادئ، والبقاء على ذات الوتيرة الغاضبة من الإجراءات التعسفية التي تجريها قوات الاحتلال.
وقالت المرجعيات الإسلامية في القدس، ممثلة برئيس مجلس الأوقاف، ورئيس الهيئة الإسلامية العليا، ومفتي القدس والديار الفلسطينية، والقائم بأعمال قاضي القضاة في القدس: "في حال استمرار فرض البوابات الإلكترونية على دخول المسجد الأقصى المبارك، ندعو أهلنا إلى الصلاة والتعبد أمام أبواب المسجد الأقصى وفي شوارع القدس وأزقتها".

